على خلاف الاختناقات الاقتصادية التي سبّبها تشديد طوق العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، شهدت قنوات دمشق الديبلوماسية نشاطاً لافتاً خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع اقتراب موعد الجولة الجديدة من محادثات «أستانا». فبعدما حلّ وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، ضيفاً على الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق، قبل توجهه إلى أنقرة، استقبل الأسد مبعوث الرئيس الروسي الخاص ألكسندر لافرينتيف، قادماً من الرياض. وجاء ذلك بعد أيام فقط على زيارة مستشار الأمن الوطني العراقي، فالح الفياض، العاصمة السورية. وقبل أن تنتهي مفاعيل الزيارتين الإعلامية، وصل نائب رئيس الحكومة الروسي، يوري بوريسوف، إلى سوريا، حيث التقى الرئيس الأسد وبحثا الاتفاقيات الموقّعة بين الجانبين ومراحل تنفيذها والعراقيل التي تعترضها. وخرج بعدها ليكشف عن اتفاق لاستئجار بلادهِ مرفأ طرطوس البحري لمدة تصل إلى 49 عاماً. وإلى جانب ذلك، لبّى رئيس مجلس الشعب السوري، حمودة صباغ، دعوة نظيره العراقي محمد الحلبوسي، لحضور «مؤتمر برلمانات دول جوار العراق» في بغداد، الذي جمع أيضاً نظراءهما من تركيا وإيران (أوفدت نائب الرئيس) والسعودية والكويت والأردن.

هذا النشاط الإقليمي اللافت، تُرجم في أنباء تحدثت عن «رسائل» نقلها ظريف ولافرينتيف، من أنقرة والرياض (وإليهما) على التوالي، تحمل مفاتيح تفاهمات محتملة على بعض النقاط مع دمشق. ورغم أن أياً من الأطراف المعنيين لم يخرج ليؤكد أو يدعم تلك الأنباء (وفق المتوقع)، إلا أن أوساطاً حكومية سورية لم تنفها في المقابل، بل حرصت على تظهيرها عبر وسائل الإعلام غير الرسمية، لا سيما ما يخصّ المبعوث الروسي. وكانت زيارة الفياض إلى دمشق قد لقيت الأصداء ذاتها، بعد أحاديث متقاطعة عن وساطة عراقية بين الجانبين السوري والسعودي. وجاء ملتقى رؤساء البرلمانات في بغداد ليدعم تلك الافتراضات؛ إذ لم يشهد الملتقى، ولا التغطية الإعلامية التي تلته، أي جدل حول النقاط الخلافية بين حاضريه.
وفي المقابل، قد ينعكس الجهد الإيراني على خط أنقرة ضمن مسار المحادثات في «أستانا»، الذي شهد تعاوناً طويلاً حول ملفات متعددة. وستكشف الجولة المقبلة التي تنطلق بعد غد، إذا ما كانت قد تبلورت أي تفاهمات جديدة في الشأن السوري. وبدا لافتاً أمس إعلان موافقة الحكومة السورية على منح «الخطوط الجوية القطرية» إذناً بالعبور فوق الأجواء السورية، بناءً على طلب تقدمت به «هيئة الطيران المدني القطرية» إلى وزارة النقل السورية. وأوضحت الأخيرة أن الخطوة «جاءت من مبدأ المعاملة بالمثل... إضافةً إلى ما يحققه استخدام الأجواء السورية من إيرادات إضافية بالعملة الصعبة لصالح الدولة السورية». ولا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن خطوط التواصل الناشطة بين إيران وتركيا، ربطاً بالعلاقة الجيدة التي تجمعهما مع قطر. وكان سبق لطائرات «القطرية» أن استخدمت الأجواء السورية شرق الفرات، حيث تسيطر قوات «التحالف الدولي».
وأثار الحديث الروسي عن استئجار مرفأ طرطوس أسئلة عديدة عن مستقبله، وانعكاس ذلك على الواردات إلى سوريا، وخاصة المواد النفطية، فيما قال نائب رئيس الحكومة الروسية إن الخطوة ستتيح تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي، وسوف «تنعكس إيجاباً وفق أملنا، بالدرجة الأولى، على الاقتصاد السوري». صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» الروسية اعتبرت في أحد تقاريرها أن «مرفأ طرطوس قد يصبح بوابة النفط الرئيسية لدمشق»، معتمدة على تصريح بوريسوف بأن «الحقول النفطية الرئيسة هي الآن بعيدة عن متناول الحكومة السورية»، في إشارة إلى الحقول الواقعة شرق الفرات. ورأت الصحيفة أن تصدير النفط من روسيا عبر المرفأ «سيتيح الفرصة لإعادة تنشيط تكرير الوقود في مصفاتي حمص وبانياس»، مشيرة إلى أن المرفأ مصمّم لاستقبال ناقلات نفط بِوزن يصل إلى 210 آلاف طن. ونقلت «نيزافيسيمايا غازيتا» عن الخبير العسكري الروسي، فلاديمير بوبوف، قوله إنه «من خلال هذه الخطوة، يوافق الاتحاد الروسي ضمناً على تقسيم مناطق النفوذ، حيث ستكون مناطق إنتاج النفط في شرق الفرات تحت سيطرة دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة».