لم يُترجم توافق «ضامني أستانا» على «اتخاذ خطوات جدّية للتقليل من الانتهاكات» في محيط إدلب، هدوءاً على الأرض خلال الأيام القليلة التي تلت نهاية جولة المحادثات الأخيرة في العاصمة الكازاخية، بل استمر القصف المتبادل عبر خطوط التماس، وتحوّل إلى اشتباكات متقطعة في ريفَي حماة وحلب، وذلك بالتوازي مع عودة محاولات استهداف قاعدة حميميم الجوية باستخدام طائرات مسيّرة. وقُوبلت الهجمات الصاروخية التي تركّزت على بلدات ريف حماة، بردودٍ ميدانية موضعية من قِبَل الجيش السوري، وباستهداف جويّ طاول عدة مواقع في عمق منطقة «خفض التصعيد».

وعلى رغم حدّة التوتر، أكدت التصريحات التي خرجت في أعقاب اجتماع «أستانا» أن الرهان لا يزال قائماً على «تعزيز التعاون» لتطبيق «مذكرة التفاهم» الخاصة بإدلب، مع تجنّب إطلاق «عمل عسكري واسع». وكان أوضح ما خرج في هذا السياق، صادراً عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في حديث من الصين، حيث قال إن «هناك حاجة لمواصلة مكافحة الإرهابيين في إدلب... وإذا قاموا بأي هجمات فسنقوم بالرد عليها»، مضيفاً إن «تنفيذ أي عملية واسعة النطاق... لن يكون مستحسناً» من وجهة نظر دمشق وموسكو، بسبب «الانعكاسات المحتملة لتلك العملية على الصعيد الإنساني». وتراعي هذه المقاربة، التي تُعيد الكُرة مجدداً إلى ملعب أنقرة وتمنحها وقتاً إضافياً للوفاء بالتزاماتها وفق «اتفاق سوتشي»، حسابات التعاون ضمن صيغة «أستانا»، حيث تشارك إيران بدور فاعل في تيسير النقاش مع تركيا حول مسائل مثل تفعيل «اتفاقية أضنة»، ومستقبل كامل الشمال السوري، و«اللجنة الدستورية».

أكد جيفري معارضة بلاده أي «تصعيد متهوّر» من قِبَل موسكو ودمشق في إدلب


وبعدما أبلغت الولايات المتحدة الأميركية، حليفتها تركيا، صراحة، أنها لن تقبل الانسحاب من شمال شرق سوريا لحساب القوات الحكومية السورية، تتكثف جهود مسؤوليها للتصويب على مسار «أستانا/ سوتشي» ومحاولة نقل ملفاته المهمة إلى جنيف، حيث المحادثات المرعيّة أممياً. وفي السياق نفسه، يُنتظر أن يسافر المبعوث الأممي، غير بيدرسن، إلى جنيف للقاء ممثلي «المجموعة المصغّرة»، وذلك بعد تقديمه اليوم (وفق الخطة المعلنة سابقاً) إحاطة إلى مجلس الأمن الدولي عن لقاءاته خلال الفترة الماضية، وحضوره لقاءات «أستانا 12». وسيصل ممثلون عن كلّ من روسيا وإيران وتركيا إلى جنيف أيضاً بناءً على دعوة من بيدرسن، لاستكمال نقاشات الملف السوري ولا سيما تشكيل «اللجنة الدستورية». وقال ممثل وزير الخارجية الأميركي الخاص للتواصل في شأن سوريا، جايمس جيفري، إن بلاده تأمل في «طرح مجموعة أستانا... أفكاراً جديدة» خلال لقاءات جنيف، مضيفاً في مقابلة مع قناة «الحرة» الأميركية إن «مسار أستانا لم يصل إلى نتيجة» منذ انطلاقه حتى اليوم. وعن ارتفاع منسوب التصعيد في إدلب، أشار جيفري إلى أن بلاده «تعارض أي تصعيد متهور من روسيا أو النظام» هناك، معتبراً أن «إشارة الجانب الروسي إلى عدم توقع هجوم هناك في المستقبل القريب... تعكس الضغط الكبير الذي يمارسه المجتمع الدولي عليه».
وعقب تأكيد بيان «أستانا 12» الختامي على «رفض كل المحاولات لفرض حقائق جديدة على أرض الواقع... بذريعة مكافحة الإرهاب، والوقوف ضد البرامج الانفصالية الهادفة إلى تقويض سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية، والأمن القومي للدول المجاورة»، لفت جيفري إلى أن قوات بلاده سوف تعمل على «انسحاب منسّق ومدروس... وستبقي قوات لفترة محددة»، فيما ستواصل «تشجيع الشركاء في التحالف الدولي على زيادة مشاركتهم» في مهمات «حفظ الأمن» في شمال شرق سوريا. ويتقاطع هذا الكلام مع تصريحات القائد الجديد للقيادة المركزية الأميركية، كينيث ماكينزي، الذي كشف في مقابلة تلفزيونية أن «خفض عدد القوات في سوريا سيتم بحذر». وجاءت تصريحات الأخير في موازاة جولة يجريها على عدد من الدول الحليفة لبلاده في المنطقة، قال إنها تهدف إلى «التواصل مع الأصدقاء والحلفاء لضمان التوحّد ضد التهديد الإيراني».