دمشق | يئنّ السوريون تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها بلادهم، فينفجر سخطهم نقمةً على المسؤولين واتهامات لهم بالتقصير. وفيما يتعالى الصوت ضد الحكومة، يتناسى الجميع إحدى أهم المؤسسات المسؤولة: مجلس الشعب، الذي تنحصر مداخلات أعضائه تحت القبة ولا تنقل على الهواء عبر وسائل الإعلام المحلية، ليبقى معظمها طيّ الكتمان. والبديل من ذلك مداخلات يطرحها نواب الشعب عبر منابرهم «الفايسبوكية»، فيلتبس الأمر على الناس، ولسان حالهم يقول: إن كان «الفايسبوك» كافياً لتمثيلنا وتكوين رأي عام ضاغط، فما حاجتنا إلى هؤلاء ومجلسهم وتكاليف رواتبهم؟

السوريون الذين ينقلون شكاواهم إلى الصحافيين، أملاً بالخروج من إطار الصرخات «الفايسبوكية»، يحلمون بإيصال أصواتهم إلى المجلس النيابي، حيث تأخذ المناقشات الصيغة الشرعية اللازمة. لكن «النوم في العسل» يحجب الكثير من الأعضاء عن الإجابة عن أسئلة الناس، أو الوصول إلى صيغة مقبولة في التعاطي مع الحكومة، بما من شأنه طمأنة الشارع الضائع وسط تصريحات عشوائية. لم ترتفع مكانة البرلمانيين السوريين، في نظر مواطنيهم، عمّا كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي. هكذا يوصّف عامر، الموظف الأربعيني، الوضع الحالي، لافتاً إلى أن «المجلس يضمّ في صفوفه سماسرة ومتعيّشين على موائد المسؤولين والوجهاء في المناطق التي ينوبون عنها، والكثير من الصامتين الهادئين». من جهتها، ترى صفاء، المعلمة من اللاذقية، أن دور أعضاء المجلس اختلف قليلاً في زمن «فايسبوك»، إذ «أصبحوا يريحون ضمائرهم بمنشور فايسبوكي من وحي اهتمامات الشارع. وغالباً هجوم أحدهم على مسؤول حكومي محدد يعني ما سنكتشفه لاحقاً عن كونه محسوباً على مسؤول آخر. معظمهم نجح من غير انتخاب، فأنّى لهم استحضار مسؤوليات تجاهنا؟».
أقلّ من عام بقي على انتهاء مدة تمثيل مجلس الشعب الحالي، أي أن ثلاث سنوات مرت على بدء الدورة البرلمانية الحالية من غير أن يتأثر السوريون بدور المجلس. لجان برلمانية تتشكل بهدف إحداث تأثير فاعل في العلاقة بين البرلمان والحكومة، فلا يسمع أحد للمجلس صوتاً، سوى تصريحات مبعثرة الهدف منها إعلامي أكثر منه لخدمة الناس. لجان تخصصية يسمع عنها الشعب من غير أن يرى لها أثراً في تخفيف تبعات الحرب والحصار على المواطنين، وممارسة نوع من الرقابة الشعبية التي تنظم العلاقة بين الشعب ومسؤولي الحكومات المتعاقبة.
وفيما يتركز الهجوم على الحكومة، وينخرط فيه برلمانيون أحياناً بشكل افتراضي، فإن نواب الشعب يتجاهلون أن عدم الهجوم عليهم إنما يعني أن الناس لا يكترثون لوجودهم. يعبّر أحمد (مهندس) عن هذا الأمر بعبارة واحدة: «الضرب في الميت حرام». يضحك ملء فمه حين يواجه السؤال عن دور المجلس الحالي وسط الحصار الحاصل والسخط الشعبي على الحكومة، ويقول: «في بداية الحرب، كنا نقول عنهم مجلس النائمين والمصفقين. اليوم نسيناهم تماماً. ماذا أستفيد من جلوسهم تحت تلك القبة؟ ماذا تغير في وضع شقيقي العسكري المُقعد بفعل إصابته في الحرب؟ أحرى بنا انتظار الحكومة أن تتصدق علينا بقرارات هُنا وهُناك بعد تكرار المطالبات، من أن ننادي الأموات لتمثيلنا ومساعدتنا». في حين يرى ليث، جندي في الجيش، أنه «ليس بالإمكان أبدع مما كان»، ويتابع قائلاً: «واقعنا واقع حرب. ومجتمعنا كله كذلك. لا يمكن أن نحمّل مجلس الشعب المسؤولية بمنأى عن مناقشة ظروف البلاد كلها».

يرى برلماني سابق أن تركيبة المجلس الحالي ونشاطه انعكاس لحال البلاد


يرى كثيرون أن ظروف البلاد والواقع السياسي في ظلّ الحرب وما قبلها فرضت هيمنة السلطة التنفيذية على المؤسسة التشريعية، بدل أن يحصل العكس، إذ إن دور البرلمان حماية الدستور ومساءلة الحكومة وانتزاع الثقة منها إن لزم الأمر، لكن تفعيل هذا الدور غير متاح حالياً، ليصل الأمر منذ أشهر إلى سابقة عجيبة، حين وقف رئيس الحكومة عماد خميس، بنفسه، تحت قبة البرلمان، معتذراً من الشعب عن الأزمات، فيما وقعت كلمة رئيس مجلس الشعب حمودة صباغ كالصاعقة على الشارع السوري، حيث اعتبر أن الحملات الإلكترونية القائمة تُدار من الخارج!
ومع أن المفترض توزع المسؤولية ما بين الحكومة والشعب وسط الأزمة الحاصلة، فإن برلمانيين عدة يتهرّبون من الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بتقصيرهم عن القيام بدور فاعل خارج صفحات «فايسبوك». وحده عضو مجلس سابق، رفض ذكر اسمه، يتجاوب بالقول إن مجلس الشعب الحالي بتركيبته وأعضائه هو انعكاس الحالة التي تعيشها البلاد كلها، سواء من حيث نوعية الأعضاء وسقف الطروحات وغياب المشاريع وارتجالية العمل وإمكانية التنفيذ. وحول الفرق بين أعضاء الدورة الحالية وما قبلها، يجيب: «لا فرق. قوائم الأسماء اختلفت فقط».