أسهم اللاعبون الإقليميون، بنحو مباشر وكبير، في تهجير أبناء عدد من المدن والمناطق السورية. تشكل عفرين أحدث عمليات التهجير لأسباب ديموغرافية، وأشدّها وضوحاً. ويزيد من سوء الأمر، في نظر أبنائها، «التجاهل الإعلامي الكبير لما حدث ويحدث في عفرين»، وفقاً لمحمد، المهندس العفريني الذي فرّ وعائلته من المدينة إبّان الغزو التركي لها. وحتى مطلع العام الحالي، كان عدد النازحين من عفرين يراوح ما بين 151 ألفاً (وفق منظمات أممية) و350 ألفاً وفق جهات حقوقية (راجع «الأخبار» 22 كانون الثاني 2019).


«اتفاق المدن الأربع»
كان اتفاق «المدن الأربع» (كفريا والفوعة، الزبداني ومضايا) أرضية بُني عليها «اتفاق المدن الخمس»، بعد ضمّ «مخيم اليرموك» إلى القائمة. شكّل الاتفاق ما يمكن عدّه كبرى عمليات «التهجير بإدارة إقليمية»، إذ قامت ترتيباته باتفاقات إقليمية (بين طهران والدوحة على وجه الخصوص)، وبموافقة دمشق. نص الاتفاق على إخلاء كفريا والفوعة (ريف إدلب الشمالي) نهائياً من السكان، في مقابل السماح بخروج مَن يرغب من الزبداني ومضايا (واليرموك) إلى الشمال السوري. بدأ تنفيذ الاتفاقية في نيسان 2017، وانتهى في تموز 2018. لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد الخارجين بموجب الاتفاق من مضايا واليرموك، أما عدد الخارجين من الزبداني، فكان نحو 760 عائلة، يسكن الآن نحو 500 منها في الفوعة وكفريا تحت سيطرة «أحرار الشام»، وفقاً لبحث أجراه «تجمع ضمّة» المدني، ونُشر قبل أيام.

القصير: سنرجع يوماً
من بين المناطق التي فرغت في مراحل سابقة من سكانها، تكاد مدينة القصير تنفرد بخصوصية بالغة التعقيد. ولا تزال حركة العودة شديدة البطء، إلى المدينة التي كانت أحد العناوين الأساسية لانخراط «حزب الله» في الحرب السورية. يقول عبد الله، أحد أبناء المدينة لـ«الأخبار» إن «العقبات الكثيرة التي تعترض عودتنا إلى مدينتنا ليست مؤقتة، ولن تكون. هناك سعي من حزب الله لإعادة رسم الخريطة السكانية على مقاسه». وعلى رغم أن عدداً من أبناء المدينة قد عادوا إليها بالفعل، إلا أن منح «الموافقات الأمنية» لا يزال محصوراً بِمَن هم داخل سوريا، وبوتيرة منخفضة، وشروط صارمة. وتعاني المدينة من دمار هائل، وتضرر كبير في البنى التحتية، وتسيطر على أبنائها مخاوف من خسارة ما بقي من أملاكهم، في ظلّ انعدام فرص عودتهم في المدى المنظور. «دفنت نصف أفراد أسرتي في القصير، ودفنت أبي قبل فترة في لبنان. حتى أمواتنا لم تعد لديهم فرصة كي يتقاسموا تراباً واحداً»، يقول عبد الله بغضب، ويضيف: «لكننا سنرجع ذات يوم».

كفريا والفوعة: «الخذلان» سيد الموقف
«لا أريد المغادرة»، قال أبو هادي (اسم مستعار) بإصرار لنسيبه قبل سنوات، إبّان بدء الاستعدادات لإخلاء بلدتَي كفريا والفوعة. في الفترة الممتدة بين خروج قوافل نيسان 2017، والإخلاء النهائي (تموز 2018)، توفي الرجل، ولم يغادر بلدته. يُعلّق محمد، أحد مهجّري البلدتين المقيمين في حسيا (ريف حمص الجنوبي)، بالقول: «كان حظو حلو، ما شاف اللي عم نشوفو»، فيما يشرح حسين أن ظروف أبناء البلدتين في حسيا هي «الأصعب على الإطلاق». يقول الشاب إن أصعب ما في الأمر «شعورهم بأن الأمل بعودتهم يوماً ما ضعيف جداً. هدول ببساطة ما بقي عندهم ضيعة، أو حتى قبور يزوروها». تفرّق أبناء البلدتين بين مناطق عدّة، أبرزها (علاوة على «حسيا») منطقة «السيدة زينب» في دمشق. يروج كلام كثير عن أن نازحي البلدتين يستولون على منازل مهجري مناطق أخرى. لكن على أرض الواقع، لا يمكن تعميم الأمر وعَدُّه ظاهرة، على رغم تسجيل حالات قليلة متفرقة. وتعاني النسبة العظمى من نازحي كفريا والفوعة ظروفاً مشابهة لنظرائهم، ويُداخل كثيراً منهم شعور بالندم لأنهم غادروا، معطوفاً على إحساس بالخذلان بعد تناقص المعونات المقدمة إليهم بدرجة كبيرة. «كانت جمعيات الشام والست زينب تقدم دعم جيد. كان في رعاية صحية كاملة، وتعويضات إيجار بيوت ومساعدات، هاد كلو صار يتراجع شوي شوي لحتى ما بقي شي»، يقول حسين.