عشية اليوم الختامي للجولة الثالثة عشرة من محادثات «أستانا»، كُشف عن تفاهم أولي على وقف لإطلاق النار في منطقة «خفض التصعيد» في إدلب وجوارها، وافقت عليه دمشق، بشرط المضيّ في تنفيذ بنود «اتفاق سوتشي»، وأوّلها انسحاب الجماعات الإرهابية من «المنطقة المنزوعة السلاح»، كما الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. «الهدنة» الجديدة لم تُصَغ في افتتاح جولة «أستانا»، على رغم تزامن الإعلان عنها معه، وهي تماثل من حيث الشكل سابقتها التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ على الأرض. ولم تكن الساعات القليلة التي سبقت موعد سريان وقف إطلاق النار (منتصف ليل أمس) تبشّر باحتمال نجاحه؛ إذ ارتفعت وتيرة الاشتباكات في جبهات ريف حماة الشمالي، ولم يتوقف الاستهداف المدفعي على طرفي خطوط التماس، كما سقطت قذائف صاروخية على أحياء مدينة حلب.

دمشق أعلنت، عبر تصريحات مصدر عسكري، التزامها «الهدنة» المفترضة من دون انتظار قبول الطرف الآخر، وهي بذلك أعادت الرهان على سحب الذرائع من الجانب التركي، الراعي لنشاط الفصائل المسلحة في إدلب، والذي يتوجّب عليه وفق صيغة «اتفاق سوتشي» إنفاذ بنوده وإجبار تلك الفصائل على تنفيذه. أنقرة اعتادت خلال السنوات الماضية شراء الوقت لترتيب أوراق إدلب، وفق صيغة تناسبها؛ فقبل عام من اليوم، خرج الأتراك من اجتماعات «أستانا» وزجّوا بثقلهم عبر «الجبهة الوطنية للتحرير» لدفع «هيئة تحرير الشام» نحو خيار الانصهار، بعد رفض زعيمها أبو محمد الجولاني «عرضين» يتضمنان تفكيك «الهيئة» (راجع «الأخبار» الاثنين 6 آب 2018). اليوم، اختلفت الظروف داخل إدلب، وباتت «الهيئة» منخرطة أكثر في المشروع التركي، ضمن إطار يتيح لها الحفاظ على «توازن حذر» مع نظرائها «القاعديين». وهو ما سيفتح المجال أمام هامش أكبر للجانب التركي للتركيز على «صفقاته» مع ضامني «أستانا» الآخرين، والتي عُطّلت سابقاً لأسباب مختلفة، ولا سيّما أنه يؤمّن غطاءً ضرورياً لمسار «اللجنة الدستورية»، الذي بات في مرحلة متقدمة اليوم.
أزمة التنظيمات «القاعدية» ومقاتليها الأجانب، والتي لا تزال من أبرز التحديات وأهم أوراق الضغط في آن معاً، كان لها حضور وازن في نقاشات اليوم الأول من اجتماعات «أستانا». وفي مقابل غياب أجوبة واضحة من الجانب التركي عن التساؤلات التي طُرحت حول الخطوات الفعلية اللازمة للتعامل مع تلك التنظيمات، احتفظ المسؤولون الروس بلهجة عالية تؤكّد ضرورة «تحييدها عسكرياً»، مع ملاحظة أن خطاب موسكو المعلن عن التنظيمات الإرهابية يصوّب بشكل رئيسي على «تحرير الشام». وستترك هذه المقاربة الروسية مجالاً أمام استكمال العمليات العسكرية على عدد من الجبهات، إلى جانب الرد على الخروقات التي تسجّل للتهدئة المفترضة، والتي يرجّح أن تستمر خلال الأيام المقبلة، وإن بتباين بين بعض الجبهات. وفي حال تمكن موسكو وأنقرة من التفاهم على ضرورة تحييد مركز الثقل الرئيسي لتلك التنظيمات، قد تعود إلى الواجهة صفقة «تل رفعت ــــ جسر الشغور»، والتي تتيح عملاً عسكرياً متزامناً يلبّي مصالح الطرفين المرحلية.
اللافت في شأن تصعيد إدلب، بالتوازي مع تطورات «أستانا»، كان إعلان الأمم المتحدة، بمبادرة من واشنطن وحلفائها، عزمها البدء بتحقيق حول «استهداف المنشآت المدنية» في منطقة «خفض التصعيد» هناك. وهي مبادرة ستحفّز جولة جديدة من الكباش الدولي داخل مجلس الأمن، وسط رفض روسي كامل لمثل هذا التعاطي. إذ أشار نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، ديميتري بولانسكي، إلى أن بلاده تأسف لإعلان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في شأن لجنة التحقيق، وهي «لا تعرف إن كان السيد غوتيريش يستند إلى أسس قانونية تسمح له باتخاذ هذه الخطوة». ومن غير المعروف إلى الآن مستوى تأثير الضغط الغربي المحتمل على مسار تشكيل «اللجنة الدستورية» الذي يفترض أن يستكمل في جنيف، بعدما وصل إلى مرحلة متقدمة جداً في أروقة «أستانا». ولكن التفاصيل التي قد تخرج اليوم من العاصمة الكازاخية قد تقدّم صورة أوضح في هذا الشأن، ولا سيما أن دولاً عدّة لا تخفي تعويلها على إدخال قوى سياسية «بديلة» إلى العملية السياسية.