بعد ثلاثة أيام على دخول «الهدنة» الجديدة في منطقة «خفض التصعيد» في إدلب ومحيطها حيّز التنفيذ، لا يزال السؤال الرئيس يدور حول قدرة ضامني «اتفاق سوتشي»، ولا سيما أنقرة، على إنفاذ بنوده. فوقف إطلاق النار هذا لن يدوم من دون تحقيق تقدم على مسار تنفيذ تفاهمات «سوتشي»، وخصوصاً سحب التنظيمات الإرهابية والسلاح الثقيل والمتوسط من المنطقة «المنزوعة السلاح» وفتح الطرق الدولية (في مرحلة لاحقة)، وهو ما أكدته دمشق في نص إعلانها «الهدنة»، وعزّزه موقف موسكو أيضاً. وتخضع رغبة الجانب التركي وقدرته على المضي قدماً في هذا المسار لتوازنات عديدة، تبدأ في إدلب ولا تنتهي عند الضفة الشرقية لنهر الفرات. غير أن التجارب الماضية تؤكد أن مقاربة تركيا كانت تركّز على كسب الوقت واستغلاله في تهيئة الأرضية المطلوبة لطرح «حلول أكثر استقراراً»، بما يلبّي مصالحها.

النفوذ التركي الطاغي على عموم الفصائل في إدلب بدا واضحاً خلال اليومين الماضيين، عبر المواقف التي خرجت عن أبرز القوى العسكرية العاملة على الأرض. ووفق المتوقع، خرجت «الجبهة الوطنية للتحرير» لتعلن «الموافقة على وقف إطلاق النار... مع إبقاء اليد على الزناد». وإن كان موقف «الجبهة الوطنية» محسوماً لجهة تبعيتها الكاملة لأنقرة، كانت تُنتظر مقاربة «هيئة تحرير الشام» لطرح «الهدنة»، بما تحمله من إشارات قد تدلل على المسار المرتقب في إدلب. وجاءت تفاصيل هذه المقاربة على دفعتين، الأولى عبر بيان يعلن ضمناً الالتزام بوقف إطلاق النار، عبر التلويح بالرد على خروقاته، والثانية على لسان زعيم «تحرير الشام»، أبو محمد الجولاني، في لقاء مع عدد من الإعلاميين (لم ينشر أي من تسجيلاته المصوّرة). تصريحات الجولاني نُقلت عبر الإعلاميين المقرّبين من «تحرير الشام»، وركّزت على عدة نقاط، بينها قراءة «الهدنة» على أنها محاولة «تقليل لخسائر النظام والروس»، والإضاءة على دور «الأجهزة المدنية والأمنية» (التابعة للهيئة وحكومتها، بطبيعة الحال) في ضمان استقرار منطقة إدلب ومحيطها حتى في وقت المعارك، إلى جانب شكر المقاتلين «المهاجرين»، والإشارة إلى أنهم باتوا «جزءاً» من تركيبة المنطقة.

الجولاني: لن نتموضع في مكان بحسب رغبة الأعداء أو الأصدقاء


من أبرز المواقف التي خرجت عن الجولاني في مؤتمره الصحافي، تأكيده أن «تحرير الشام» لن تسحب أفرادها وسلاحها من المنطقة «المنزوعة السلاح» المفترضة، وأنها «لن تتموضع في مكان بحسب رغبة الأعداء أو الأصدقاء»، وتوعّده بالسيطرة على المناطق التي دخلها الجيش السوري خلال جولة المعارك الأخيرة. كذلك، أشار إلى أن الهيئة «لن توافق طوعاً على إدخال أي جندي روسي إلى المُحرر، وإذا أراد الدخول عسكرياً، فسننال شرف صدّ محاولة دخوله»، مشدداً على أن «تحرير الشام ليست طرفاً في أستانا... وربط وقف إطلاق النار بأستانا هو ربط خاطئ». ومن بين المواقف البارزة التي تناقلها عدد محدود من الصحافيين المتابعين لمؤتمر الجولاني، كان تأكيد الأخير عدم اعتراض «الهيئة» على حركة التبادل التجاري عبر الطرق الدولية مع مناطق سيطرة الحكومة السورية. ولم يرد هذا التفصيل في ما نقلته مثلاً «وكالة إباء» التابعة لـ«تحرير الشام»، علماً بأن الوكالة لم تنقل نصاً واضحاً للتصريحات، واكتفت بنشر سلسلة من المواقف. ولا يبدو تموضع الجولاني الحالي بعيداً عن سياسته المعتادة في الجمع بين العمل مع الجانب التركي والتنظيمات «القاعدية»، وفق صيغة تحافظ على مكانة «تحرير الشام» في القطاعين العسكري و«المدني الإداري».
وبينما تبدو الهدنة صامدة نسبياً حتى اليوم، مع وجود قصف مدفعي وجوي محدود تحرّكه الحاجة الميدانية، ينتظر معرفة الخطوة المقبلة لضامنَي «اتفاق سوتشي» الروسي والتركي، والتي تعتمد بشكل رئيس على التزام أنقرة بالعمل على إنفاذ بنود الاتفاق. وكان لافتاً غياب التصريحات التركية الرسمية في هذا الشأن، لصالح الحديث عن شرقي الفرات و«المنطقة الآمنة» المفترضة هناك. ومجدداً، خرج الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بلهجة أكثر حدّة ووضوحاً، ليقول إن بلاده أبلغت روسيا وأميركا أنها ستقوم بعملية عسكرية في شمال شرق سوريا ضد «وحدات حماية الشعب» الكردية. ويستبق تصعيد أردوغان وصول وفد عسكري أميركي اليوم إلى أنقرة، لاستكمال مسار المحادثات حول «خريطة منبج» وملف «المنطقة الآمنة»، والذي شهد تعثّراً في الجولة الماضية قبل أقل من عشرة أيام.