في تحذيراته المتكررة من مغبّة التفريط بالاحتياطيات النقدية من القطع الأجنبي، كان الأستاذ الجامعي المعروف، إلياس نجمة، يستشهد بالعبارة الشهيرة التي قالها حاكم مصرف لبنان السابق، إدمون نعيم (أصبح وزيراً للمالية في الحكومة الرباعية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان وانهيار النقد اللبناني)، لرئيس جمهورية لبنان الأسبق، كميل شمعون، عندما طلب منه الأخير أن يتصرف بقسم من الاحتياطي الذهبي الموجود في المصرف المركزي اللبناني، حيث أجابه: لدينا عشرة ملايين ونصف مليون أونصة ذهب والنقد ينهار، فكيف سيكون وضعه عندما نفقد رصيدنا الذهبي؟! السؤال نفسه يُطرح بصيغة أخرى في سوريا بعد تسع سنوات من الحرب: هل تصرفت الحكومة ببعض من احتياطات البلاد الذهبية كما فعلت بالدولار، أم أنها لم تمسّها؟

طوال السنوات السابقة، كان جلّ الاهتمام الرسمي والشعبي في سوريا يتركّز على تتبّع وضع احتياطي البلاد من القطع الأجنبي، الذي تأكد بتصريحات رسمية أخيراً تصرّف الحكومة السابقة بالجزء الأكبر منه خلال الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2016، ونادراً جداً ما كان يجري التطرق إلى احتياطي البلاد من الذهب، باستثناء ما يُنشر إعلامياً استناداً إلى بيانات صادرة عن «مجلس الذهب العالمي». ليس ثمة تصريحات رسمية تحدّد بدقة حجم احتياطي البلاد من الذهب، إلا أن البيانات الصادرة خلال السنوات الماضية عن «مجلس الذهب العالمي» تؤكد ثبات احتياطيات البلاد عند عتبة 25.8 طناً، أي ما يقارب 22 مليون أونصة، كما يذكر أستاذ النقد والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، أكرم حوراني. وبرأيه، هي كمية قليلة مقارنةً بما تملكه دول عربية أخرى. إذ تشير بيانات «مجلس الذهب العالمي» إلى أن سوريا تحتلّ المرتبة العاشرة عربياً بحجم احتياطاتها الذهبية، مُشكِّلة ما نسبته نحو 2% من إجمالي الاحتياطي العربي، متقدمة بذلك على دول كالإمارات والمغرب، ومتأخرة عن دول أخرى كلبنان والأردن. إلا أن أكثر ما يطمئن في هذا الملف، أنه على عكس ما حصل مع احتياطيات البلاد من القطع الأجنبي، فإن الاحتياطي الذهبي لدى المصرف المركزي بقي في مأمن، ولم تمتدّ إليه يد الحكومة السابقة، بحسب ما يؤكد مصدر حكومي خاص لـ«الأخبار».

الأزمة لم تقلّل من وظيفة المشغولات والأونصة الذهبية كوسيلة ادخار آمنة وقليلة المخاطر


يؤخذ على الحكومات السورية المتعاقبة، خاصة في فترة ما قبل الأزمة، أنها أهملت زيادة احتياطيات البلاد من الذهب، تماماً كما فعلت مع احتياطي القطع الأجنبي. وبحسب أستاذ النقد والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، علي كنعان، فإن «الظروف الاقتصادية كانت مواتية سابقاً لزيادة حجم الاحتياطيات الذهبية، بالنظر إلى أن سوريا مشهورة بصناعة الحليّ والمشغولات الذهبية، إلا أن الإجراءات الحكومية، التي كانت تضع عوائق كثيرة أمام استيراد الذهب الخام وتصديره مصنوعاً، حالت دون توسع تلك الصناعة وزيادة قدراتها وإيراداتها التصديرية، وتالياً تحسين كمية الاحتياطي لدى المصرف المركزي». وهو احتياطي كان يمكن استثماره لمواجهة التداعيات الاقتصادية السلبية الناجمة عن الأزمة، سواء «عبر دعم ركائز قوة الاقتصاد الوطني، أو من خلال تسهيل بيع بعض منه وشراء العملات الصعبة عند الحاجة»، يقول رئيس فرع جمعية العلوم الاقتصادية في اللاذقية، سنان علي ديب. ويقدم الأخير، في حديثه إلى «الأخبار»، وجهة نظر مغايرة في ما يتصل بعدم زيادة البلاد احتياطياتها من الذهب خلال سنوات الرخاء. إذ إنه «لم يكن يتوقع أحد مثل هذه الأزمة، وكل هذا الدمار والخراب، إضافة إلى وجود احتياطيات نقدية كانت آنذاك كافية وكبيرة، ولا سيما أنها كانت تترافق مع مؤشرات اقتصادية من قبيل ميزان نقدي رابح عبر اقتصاد متكامل ومتنوع، وتالياً لم يكن احتياطي الذهب يعطى الأهمية الكبرى» وفقاً لديب، الذي يلفت إلى أن «التطورات الحاصلة حالياً في ما يتعلق بسعر الصرف غالباً ما تكون وهمية، وذلك نتيجة مضاربات وإرهاب اقتصادي، أي إن الأمر بعيد كل البعد عن التفاعلات الاقتصادية».

ادخار الأفراد
حتى بالنسبة إلى الأفراد، فإن الأزمة، وما تخلّلها من تقلّبات كبيرة في سعر صرف الدولار الأميركي أمام الليرة السورية، لم تقلّل من وظيفة المشغولات والأونصة الذهبية كوسيلة ادخار آمنة وقليلة المخاطر. فإلى جانب تذبذب سعر الصرف ارتفاعاً وانخفاضاً، فإن وسائل الادخار الأخرى التي كانت تنافس الذهب، وتحديداً قطاع العقارات، تأثرت وتضررت مباشرةً وكثيراً بمجريات الحرب، وهو ما جعلها عاجزة عن استقطاب ما بقي من مدخرات السوريين. وهنا، يستشهد كنعان على احتفاظ الذهب بمكانته الادخارية لدى السوريين بخطوة «جمعية الصاغة»، المتمثلة بطرح الأونصة السورية خلال فترة الأزمة لتلبية احتياجات الأفراد الراغبين في شراء الذهب للادخار، ومن ثم خطوة طرح نصف أونصة لتكون في متناول أصحاب المدخرات الصغيرة. ومع تأكيد حوراني أن المشغولات الذهبية مثلت وسيلة ادخار لأصحاب المدخرات والمداخيل أثناء الحرب، إلا أنه يعتقد أنها كانت وسيلة «متحركة» مثلها مثل باقي وسائل الادخار كالدولار والعقارات وغيرها، بمعنى أن الأفراد كانوا يحركون مدخراتهم تبعاً لتقلّبات أسعار السوق، فتارة يبيعون الذهب لشراء دولار أو عقار، وتارة أخرى يستبدلون بدولاراتهم قطعة ذهبية أو أكثر، وهكذا، مطلقاً على ذلك تسمية «سياسة الهروب للأمام».
في المقابل، إن ارتفاع أسعار الذهب في السوق المحلية قياساً بأسعاره السابقة، وذلك تحت تأثير عاملين أساسيين، هما الأسعار العالمية وارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة، ترك تأثيره السلبي بشراء العائلات السورية للمشغولات الذهبية في المناسبات الاجتماعية التقليدية كالخطبة والزواج وأعياد الميلاد وغيرها، واستبدال المبالغ النقدية أو المشغولات الفضية وغيرها بها. وأحياناً، كان يصل هذا التراجع في مبيعات سوق الذهب إلى حدّ الجمود التام، خاصة لدى تسجيل ارتفاع كبير في الأسعار، ومع تقلّبات سعر الصرف في السوق الموازي، كما حدث في الفترة الماضية.