دخل الاتفاق الروسي - التركي، الذي وقّعه الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان في سوتشي، حيّز التنفيذ أمس، عبر البدء بتسيير دوريات روسية في منطقة عين العرب الحدودية في ريف حلب، والتي ينتشر فيها الجيش السوري، في انتظار تطبيق بقية البنود. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، أمس، أن «الشرطة العسكرية الروسية بدأت عند الظهيرة دوريات في مناطق في سوريا قرب الحدود مع تركيا».

وسيحدّد الموقف الكردي من الاتفاق مسار الأحداث في مناطق الشمال السوري، وصولاً إلى محافظتَي الرقة ودير الزور. لكن هذا الموقف لم يصدر بعد حتى ليل أمس، وسط توقّعات بصدور موقف إيجابي، وتعاون كردي - روسي لتطبيق كامل بنود الاتفاق. ويكشف اتفاق سوتشي الجديد عن توافق روسي - تركي على إنهاء الوجود العسكري لـ«قسد» على امتداد الشريط الحدودي من المالكية وحتى ريف منبج بطول 470 كم، وعمق يتفاوت بين 10 و30 كم، مع العمل على إعادة الجيش السوري إلى الحدود الشمالية للبلاد. كما أن الاتفاق يمكن عدّه خطوة أولى في سياق إضعاف «قسد»، تمهيداً لتفكيكها وحلّها ودمجها سياسياً ومدنياً وعسكرياً ضمن بنية المؤسسات السورية، وفق تفاهم تعمل موسكو على إنجازه بين الأكراد والحكومة السورية. ولعلّ إطلاق الإعلام السوري الرسمي مسمّى «ميليشيا قسد المنحلة» على قوات «قسد» يحوي إشارة إلى حسم دمشق موقفها من مطالب «قسد» بالمحافظة على خصوصيتها العسكرية، بإشراف من الحكومة السورية. إلا أن الإجراءات التي اتفق عليها الروس مع الأكراد تنص على تسليم الأخيرين حقول نفط وغاز مُهمة في رميلان في ريف الحسكة للحكومة السورية. وفي المقابل، فإن القوات الأميركية لن تترك قريباً حقول النفط في دير الزور والمنطقة المحيطة، كحقل العمر وكونيكو، إذ أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أمس، أن «قوة أميركية صغيرة العدد ستبقى في محيط مناطق آبار النفط في شمال شرق سوريا»، في حين أكد مبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، أن «العمل جارٍ على وضع خيارات لإبقاء قوات أميركية في شمال شرق سوريا».

يُتوقع أن يشهد طريق «الحسكة - القامشلي» القديم انتشاراً جديداً للجيش السوري


ومع دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، غاب أي بيان أو تصريح كردي سلباً أو إيجاباً، في ظلّ استمرار التنسيق مع الروس لتطبيق التفاهمات العسكرية على الأرض. وقد يُفسَّر تأخر الموقف الكردي باستمرار التعويل على الأميركيين، والتريّث لمعرفة رؤية واشنطن للاتفاق، مع تواجد وفد كردي برئاسة الرئيس التنفيذي لـ«مسد»، إلهام أحمد، في الولايات المتحدة. وفيما توحي بنود الاتفاق بتفكّك تدريجي لقوة الأكراد العسكرية، يعتبرها مقرّبون من قيادات «قسد» خطوة مُهمة لتخفيف الضغط عن قواتهم، وإيقاف التمدد العسكري التركي على الأرض. وفي هذا السياق، يؤكد مصدر كردي، في حديث إلى «الأخبار»، أن «قسد وافقت على الاتفاق، وعلى هذا الأساس تم إرسال دوريات الشرطة العسكرية الروسية إلى عين العرب». ويرى المصدر أن «تطبيق بنود الاتفاق التي تقوم على تسيير دوريات فقط هو بالتأكيد أفضل من استمرار الحرب وخسارة أراضٍ جديدة»، مضيفاً أن «بقاء الأميركيين بالقرب من حقول النفط يعني بقاءها بيد قواتنا»، لافتاً إلى أن «ورقة حقول النفط مُهمة جداً للاحتفاظ بأوراق اقتصادية في أي مسار سياسي قادم». كما يؤكد أن «مؤسساتهم ستبقى تعمل ضمن نطاق منطقة الاتفاق، لكون الاتفاق عسكرياً وليس سياسياً». ويختم بأن «هناك تنسيقاً مستمراً مع الروس لإطلاق حوار جدي مع الحكومة السورية، للاتفاق على شكل سياسي وإداري للمنطقة».
أما ميدانياً، فقد واصل الجيش السوري تثبيت نقاطه على طريق «حلب - الرقة» الدولي (M4)، في ظلّ استمرار إرسال تعزيزات عسكرية إلى الطريق الواصل إلى الرقة، والالتقاء بالقوات تمهيداً للانتشار الكامل على الطريق من تل تمر وحتى الحسكة. كما يُتوقع أن يشهد طريق «الحسكة - القامشلي» القديم، والمعروف بطريق تل براك، انتشاراً جديداً لوحدات الجيش، بهدف فتح خط إمداد عسكري بين الحسكة والقامشلي. وتوحي تحركات الجيش في الحسكة بالسعي لخلق طرق إمداد برية تمكّنه من إرسال تعزيزات بالأسلحة الثقيلة لرفع القدرة التسليحية للقوات الموجودة في المنطقة استعداداً لأي مواجهة محتملة مع الأتراك، في وقت يستمر فيه التنسيق بخصوص انتشار الجيش السوري من اليعربية وحتى الدرباسية لربط الحدود السورية بالعراقية، وإنهاء خطر إطلاق الأتراك عملية عسكرية تهدد المدن والبلدات شمالي الحسكة. وفي حال أدى الاتفاق إلى وصول الجيش السوري إلى اليعربية، والسيطرة الكاملة على الطريق الدولية، فإن ذلك سيمكنه في خطوة لاحقة من إفساح المجال لفتح معبر «اليعربية - ربيعة» مع العراق، كثاني أكبر معبر مع هذا البلد، سيكون شرياناً اقتصادياً يربطه بحلب وصولاً إلى دمشق.