تتشابك خيوط الملف السوري بين اجتماعات «اللجنة الدستورية» في جنيف وتطورات الميدان في شرقي الفرات وإدلب، والتي باتت رهينة قنوات تفاوض عدّة ومصالح متضاربة أو رهانات مختلفة، لترسم مشهداً مركباً قابلاً للتطور في مسارات عدّة يغلب عليها التصعيد. فبينما تتزاحم النقاط الإشكالية على طاولة تنفيذ «اتفاق سوتشي» الروسية - التركية، وسط معارك متقطّعة على جبهات ريف الحسكة الشمالي الغربي، لا تزال القوات الأميركية تعيد الانتشار وفق «هدف مرحلي» جديد هو «تأمين النفط». وبدا أمس أن دمشق حريصة على تظهير مواقفها من تلك التطورات بوضوح، إذ خرج الرئيس بشار الأسد في مقابلة تلفزيونية مطوّلة، أجاب خلالها على معظم الأسئلة المتعلقة بخيوط المشهد السوري الحالي.

الموقف الأبرز كان تكذيب الرواية الأميركية التي تضمنّت شكراً لدمشق بما يوحي بوجود «تعاون ضمني» معها في العملية الأمنية التي استهدفت زعيم تنظيم «داعش»، أبي بكر البغدادي، في إدلب. إذ نفى الأسد وجود تواصل بين بلاده وأيّ مؤسسة أميركية، مُشكّكاً في سيناريو «عملية البغدادي» على اعتباره «جزءاً من الخدع الأميركية... إلا إذا أتوا بالدليل». كذلك، كان لافتاً في حديث الأسد تأكيده وجود لقاءات على المستوى الأمني فقط مع الجانب التركي، بالتوزاي مع هجوم حادّ على الرئيس رجب طيب أردوغان، وأطماعه في الملف السوري. وقال إن عدة لقاءات تمت برعاية وحضور روسيين، بعضها في معبر كسب الحدودي، وبعضها الآخر في روسيا، لافتاً إلى قناعة بلاده بأن عدداً كبيراً من أفراد السلكين العسكري والأمني في تركيا «يكرهون أردوغان»، في حين وصف الأخير بأنه «لصّ» يمارس «الزعرنة السياسية».
وعن قراءة دمشق للاتفاق الروسي - التركي الأخير في سوتشي حول شرقي الفرات، اعتبر الأسد أنه «مؤقت... يلجم الجموح التركي باتجاه احتلال المزيد من الأراضي السورية»، كما أنه «يقطع الطريق على الأميركي»، معتبراً أن تركيا تتصرف بالوكالة عن واشنطن. ولفت إلى أن وجود إجراءات هامة يجري العمل عليها يتيح انخراط أبناء المنطقة التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديموقراطية» في كنف مؤسسات الدولة الرسمية، في إشارة إلى ما صدر أخيراً عن وزارتَي الدفاع والداخلية (وما قد يصدر لاحقاً عن وزارات ومؤسسات عامة أخرى). وشدد الأسد على أن دخول الجيش السوري إلى مناطق الشمال الشرقي «هو تعبير عن دخول الدولة السورية بكل الخدمات التي تقدمها... على رغم وجود بعض العقبات»، مؤكداً «حق الدولة في الدفاع عن وحدة أراضيها والحذر من الطروحات الانفصالية». واعتبر أن دور الدولة في مقاومة الاحتلال الأميركي «تهيئة كلّ الظروف وكلّ الدعم لأيّ مقاومة شعبية تحصل ضد المحتل... فالمقاومة بحاجة لحالة شعبية نقيض العمالة».
أما عن إدلب وتطوراتها، فقد لفت إلى أن كلّ المسلحين هناك يمكن عدّهم «جيشاً تركياً... وهم أقرب إلى قلب أردوغان من الجيش التركي نفسه». وأكد أنه «في حال لم يخرج الإرهابيون إلى تركيا (باتفاق) سيكون أمامهم خياران فقط، إما العودة إلى حضن الدولة وتسوية الأوضاع أو الحرب». وخرج الرئيس السوري بمواقف لافتة تخصّ «اللجنة الدستورية»، إذ أكد أن الحكومة غير ممثلة هناك بشكل رسمي، ولكن الوفد «يحمل توجهات الدولة، وهو مدعوم منها». وقال إن عمل اللجنة محصور بصوغ الدستور، في حين تبقى قضية الانتخابات «تحت إشراف الدولة السورية وبسيادتها»، وهي تختار من تدعو إلى مراقبتها أو الإشراف عليها. ونوّه إلى أن دمشق ستوافق على أي شيء ينتج من لقاءات «الدستورية» شريطة أن «يتوافق مع المصلحة الوطنية حتى لو كان دستوراً جديداً».

هدوء نسبي على خطوط التماس
ميدانياً، تزامن الهدوء النسبي على الجبهات في أرياف تل تمر ورأس العين في ريف الحسكة، مع لقاءات منفصلة أجراها الجانب الروسي مع «قوات سوريا الديموقراطية» والحكومة السورية ونظيره التركي. إذ عقدت الدوريات الروسية، التي جالت أمس بين القامشلي والدرباسية، اجتماعين منفصلين مع العسكريين الأتراك، في بوابتَي نصيبين والدرباسية الحدوديتين. النقاشات تضمنت شقين رئيسين وفق المعلومات المتوفرة، هما الإفراج عن 18 عسكرياً سورياً كانوا أسرى لدى الجيش التركي، وتنسيق الدوريات المشتركة. وتزامنت هذه الاجتماعات مع لقاءات متكررة يجريها الروس مع قادة «قسد» وضباط في الجيش السوري، لبحث ترتيبات المرحلة الثانية من «اتفاق سوتشي» الأخير، والعمل على وقف إطلاق نار ثابت في المنطقة. وأثمرت الجهود الروسية أمس تحرير العسكريين السوريين (بينهم ضابطان برتبة ملازم) عبر معبر الدرباسية. وتعكس هذه الخطوة نجاح روسيا في ضبط إيقاع المواجهات بين الجيشين السوري والتركي، وتجنب توسيع رقعتها وحدّتها، كما في فرض «وقف إطلاق نار مؤقت»، تُرجِم هدوءاً على جبهة طويلة من عين عيسى وحتى أطراف الدرباسية، في انتظار خطوة تسيير الدوريات، والتي ستكون حاسمة لجهة توسع العملية التركية، أو استمرار تعليقها.

أكد الأسد وجود تواصل مع تركيا على المستوى الأمني فقط


وعلى رغم إيجابية التحركات الروسية، لا يزال تيار كبير في «قسد» يراهن على الأميركيين، وينظر إلى الروس على أنهم «يعملون لخلق واقع جديد» لا وجود لهيكيلة «قسد» الحالية فيه. وهو ما يؤكّده مصدر كردي مقرّب من «قسد» في حديث إلى «الأخبار»، إذ قال إنهم ينتظرون «تطبيق وعود أميركية بحماية مناطقهم من أيّ هجمات تركية جديدة، بعد إتمام الانسحاب من الشريط الحدودي». ولفت إلى أن «عودة الأميركيين إلى صرين وريف دير الزور، وعودة الدوريات الأميركية للمنطقة الممتدة بين المالكية والقامشلي، هي جزء من هذه الوعود». ومع كل هذه التطورات، تؤكد مصادر مطلعة على التنسيق الروسي ــ التركي، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الأتراك يرفضون القبول بأيّ وجود عسكري كردي سواءً من الوحدات أو قسد أو الأسايش... ويبدون حزماً في استعدادهم لمتابعة العملية العسكرية، في حال لم ينفذ الأكراد انسحاباً كاملاً من المنطقة الحدودية بعمق 32 كيلومتراً»، لافتة إلى أن «الروس يبذلون جهوداً كبيرة لتجنيب المنطقة معارك جديدة، مع جهود لتجنب أي مواجهة سورية - تركية واسعة».
وبخلاف التوتر الذي ساد بين الحكومة السورية و«قسد» نتيجة البيانات المتضادة، دفع الجيش السوري، بتنسيق مع «قسد»، أمس، بتعزيزات عسكرية تتضمن أسلحة ثقيلة، للمرة الأولى إلى الحسكة. وتوجّهت التعزيزات إلى جبهتَي ريف تل تمر الشمالي، وإلى جنوب طريق حلب ــ الحسكة الدولي، بهدف تحصين مواقع الجيش، استعداداً لوصول القوات الموجودة على أطراف الرقة، وفتح طريق إمداد بري باتجاه الحسكة.