الحسكة | بعد أن استقرّت القوى الفاعلة في الميدان السوري في نقاط تموضعها الجديدة، بعد الهجوم التركي الأخير على الشمال السوري، قفز إلى الواجهة الصراع المحتدم في المنطقة الشرقية على النفط السوري، في وقت تزداد فيه معاناة السوريين في الداخل من أزمات اقتصادية متعددة. فواشنطن، التي أرادت إخراج نفسها من الاشتباك العسكري في الشمال، وجدت ضالّتها في ذلك النفط للحفاظ على ثقلها في أيّ حل سياسي، وإبقاء الضغط الاقتصادي على دمشق، وحرمان الأخيرة من الاستفادة من موارد البلاد. أما أنقرة، فوجّهت، في الأيام الأخيرة، رسائل إلى مختلف الأطراف الدولية، بأنها يمكن أن توقف تهديدها باستئناف العمليات العسكرية في الشمال، مقابل الحصول على حصة من النفط السوري، بذريعة تأمين مورد للإنفاق على النازحين السوريين، وتوطينهم في «المنطقة الآمنة».

شرعت واشنطن في إعداد خطط لاستثمار بديل، عبر مدّ أنابيب أو توفير صهاريج لنقل النفط إلى خارج البلاد (تصميم: سنان عيسى) | أنقر على الصورة لتكبيرها

في المقابل، تدرك كلّ من روسيا وسوريا مخاطر التحركات الأميركية. ولذا، فهما تسعيان لإعادة الحقول النفطية إلى سيطرة الحكومة، من خلال العمل على سحب الأكراد من تحت عباءة واشنطن، وإنجاز اتفاق يعيد السيادة الوطنية على منطقة شرق الفرات، ومن ضمنها حقول النفط. وبرز هذا التوجّه الروسي من خلال تصريح نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف، أثناء زيارته دمشق هذا الأسبوع، حيث أكّد أن «حقول النفط والغاز ستعود تدريجياً إلى سيطرة الحكومة السورية». ويدرك الأكراد، من جهتهم، أهمية ملف النفط كعنصر حاسم في أيّ تعافٍ حقيقي للبلاد. وانطلاقاً من ذلك، هم يسعون لإبرازه كورقة كردية مهمة تفاوضياً، في أيّ اتفاق تسعى موسكو لإنجازه بينهم وبين الحكومة السورية، وفق ما أوحى به إعلان القائد العام لـ«قسد»، مظلوم عبدي، في تصريحات إعلامية، وجود اتفاق لنقل النفط إلى مناطق سيطرة الحكومة.
وتداولت وسائل إعلام، أخيراً، معلومات عن بدء تعاون أميركي مع السعودية عبر شركة «آرامكو»، لاستثمار حقول النفط الموجودة ضمن مناطق سيطرة «قسد». إلا أن مصادر مطلعة على ملف النفط نفت لـ«الأخبار» صحة هذه المعلومات، مؤكدة في الوقت نفسه أن «الأميركيين يعملون على إعداد خطة شاملة لاستثمار أكبر كمية من النفط السوري خلال أقصر فترة زمنية ممكنة». وأوضحت المصادر أن «واشنطن قدّمت عرضاً لشركتَي آرامكو وإكسون موبيل (أميركية) للبدء باستثمار النفط السوري الموجود في الشرق، وفق آلية تحقّق أرباحاً مالية للطرفين»، مضيفة أن «العرض الأميركي لم يلقَ اهتمام الشركتين، بسبب نظام عمل شركات الاستثمار النفطية الكبرى، القائم على العمل في محيط آمن تماماً، ووفق عقود طويلة الأمد، وبوجود جهات محلية ذات موثوقية وشرعية في أيّ بلد تعمل فيه»، ما يعني أن عقود هذه الشركات يجب أن تمرّ عبر اتفاق مع الحكومة السورية أو بموافقتها. وأشارت المصادر إلى أن «الشركات المذكورة ترى أن صاحب الحق الفعلي في الاستثمار هو شركة شِل، التي بقيت تنفذ أعمال تنقيب واستثمار نفطية في المنطقة حتى بداية الحرب»، مع احتفاظها آنذاك بحق العمل حتى نهاية عام 2018 وفق العقود الموقّعة.
يُلاحظ نشاط عالي الوتيرة لصهاريج النفط في محيط حقول ريفَي الحسكة ودير الزور


بناءً على ذلك، شرعت واشنطن في إعداد خطط لاستثمار بديل، عبر مدّ أنابيب أو توفير صهاريج لنقل النفط إلى خارج البلاد، مع اعتماد خطة تعمل على رفع كميات الضخّ والاستخراج اليومية، لتحقيق أكبر فائدة اقتصادية ممكنة في أقصر وقت. وضمن الخطط الأميركية في هذا المجال، زار وفد تقني مؤلّف من 14 شخصية، بينهم أصحاب جنسيات عربية، حقول النفط في ريف دير الزور لدراسة واقع الحقول والآبار هناك، وإمكانية زيادة الكميات المستخرجة، ورفع مستوى الإنتاج، لتحقيق وارد أكبر من الاستثمار، لكن فكرة مدّ أنابيب نقل نفطية، خاصة من دير الزور، سرعان ما سقطت، إذ لم تلقَ استجابة لدى القادة العسكريين، نظراً إلى طول الخط المراد استخدامه، وصعوبة تأمينه، ما يجعله عرضة للاستهداف العسكري المباشر.
ومنذ الإعلان الأميركي عن إعادة الانتشار في حقول النفط والغاز في المنطقة الشرقية، لوحظ نشاط عالي الوتيرة لصهاريج النفط في محيط حقول ريفَي الحسكة ودير الزور. ووفق معلومات مؤكدة حصلت عليها «الأخبار»، فإن «منطقة رميلان باتت نقطة تجمّع رئيسة لصهاريج نفط بدأت تنقل النفط باتجاه الشمال السوري، بعد نقله على مراحل من عدة آبار في أرياف الحسكة ودير الزور». وتفيد المعلومات بأن «الصهاريج تحمل النفط الخام من الحقول في دير الزور إلى الشدادي، ومنها إلى رميلان، ومن ثم باتجاه معبر المحمودية مع شمال العراق، عبر شركة نقل عراقية خاصة هي شركة الناجي». كذلك، «تنقل الشركة يومياً 140 إلى 150 صهريجاً من النفط السوري من حقول الشمال والشرق باتجاه الداخل العراقي، وبسعة تصل إلى 18 برميلاً للصهريج الواحد». بالتوازي مع ذلك، «تعمل واشنطن للضغط على قسد لوقف نقل النفط الخام باتجاه الداخل السوري، في سعي منها لتضييق الخناق على دمشق»، وفق ما تؤكد مصادر مطلعة لـ«الأخبار»، مستدركة بأن «قسد لم تتماشَ مع الضغوطات الأميركية، بسبب وجود اتفاق مسبق مع دمشق للنقل باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة». وتعتبر المصادر أن «إعلان القائد العام لقسد وجود حركة نقل للنفط باتجاه مناطق الحكومة يهدف إلى جعل ذلك أمراً واقعاً»، علماً أن جزءاً من النفط السوري الخام يُنقل من حقول النفط في الحسكة باتجاه مصفاتَي بانياس وحمص، عبر قوافل صهاريج يومية، فيما لا توجد إحصاءات عن الكميات التي يتم نقلها يومياً من هناك.