الحسكة | لا يبدو التنافس الأميركي - الروسي في الشرق السوري محصوراً بتثبيت النفوذ العسكري لكلّ طرف، إذ إن الولايات المتحدة انتقلت، على ما يظهر، إلى مربّع آخر، عنوانه تقويض مساعي روسيا السياسية لإنجاز اتفاق بين القوى الكردية والحكومة السورية، وذلك من خلال حثّ الأولى على عدم الثقة بالروس، وإقناعها بلا جدوى أيّ حوار مع الحكومة في ظلّ استمرار محاصرة الأخيرة من مختلف القوى الدولية. وعلى رغم أن واشنطن لم تعلن، منذ بدء تدخلها في سوريا في العام 2014، عن أيّ دعم سياسي للقوى الكردية، كما أنها لم تطالب بتمثيل حلفائها في المؤتمرات الدولية الخاصة بالسلام في هذا البلد، إلا أن تواتر المعلومات عن مسعى روسي جادّ لإنجاز اتفاق بين «الإدارة الذاتية» ودمشق دفع بالأميركيين إلى محاولة عرقلة هذه الخطوة.

ويبرز السعي الأميركي هذا من خلال الإعلان عن زيارة للمبعوث الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، إلى مدينة القامشلي، واعتزامه الاجتماع بقيادات في «قسد» و«الإدارة الذاتية» وممثلين عن العشائر، من أجل إبلاغهم نية واشنطن إبقاء قواتها على الأراضي السورية لمدة طويلة. وبحسب عدة مصادر إعلامية، فإن الزيارة تستهدف، أيضاً، «حثّ الكرد على عدم الرهان على الدور الروسي في تقريب وجهات النظر بينهم وبين الحكومة، مع التأكيد على تحميل موسكو ودمشق مسؤولية إفشال العملية السياسية، واستمرار الحلّ العسكري». وتتّخذ هذه التحركات بعداً إضافياً في ظلّ الاحتكاكات العسكرية التي تكرّرت بشكل ملحوظ، الشهر الجاري، بين الدوريات الأميركية والروسية، ليبدو كأن الولايات المتحدة تسعى إلى إثبات تفوّق نفوذها، والتأكيد أنها لا تزال حليفاً موثوقاً للقوى الكردية في المنطقة.

تبدي القوى الكردية حرصاً على إبقاء التنسيق مع الجانب الروسي


في المقابل، لا تبدي موسكو اهتماماً كبيراً بالتحركات الأميركية، لكونها، وبحسب مصادر متعددة، تملك خطة عمل شاملة لإعادة تفعيل الحوار بين «الإدارة الذاتية» والحكومة السورية، من خلال تكثيف اللقاءات مع الأولى، والدفع بأحزاب سورية من المعارضة الداخلية نحو لعب دور الوسيط، بما يساعد على تضييق هوّة الخلاف. وفي هذا الإطار، برزت، أخيراً، زيارة للأمناء العامين لعدد من تلك الأحزاب، ومن بينها «الشباب والتغيير» و«التضامن»، إلى عامودا والقامشلي، حيث التقوا ممثلين عن «الإدارة الذاتية»، في مسعى وساطة داخلية من جانبهم. وتصف الأمين العام لحزب «الشباب السوري للبناء والتغيير»، بروين إبراهيم، في حديث إلى «الأخبار»، الزيارة بأنها «إيجابية»، لافتة إلى أنها جاءت «في إطار السعي للبحث عن حلول توافقية ومناسبة، تزيل أيّ صدع أو خلاف بين الحكومة والإدارة الذاتية»، كاشفةً عن «نقلهم، كوفد معارضة داخلية، للخارجية الروسية، مخاوف الإدارة الذاتية من عدم جدّية دمشق في الإيفاء بوعودها، ليتلقّوا ضمانات من الجانب الروسي في ما يتعلق بذلك». وتشير إبراهيم إلى أن مساعيهم تهدف إلى «إيجاد حلّ دستوري منصف للمسألة الكردية في سوريا كحالة وطنية لِطَيفٍ وطني سوري موجود وفاعل»، محدّدةً العوائق أمام عملهم بـ«استمرار احتلال الفصائل المسلّحة أجزاءً من الأراضي السورية، واستمرار الاحتلالين الأميركي والتركي كأكبر عائق في إيجاد أيّ حلّ»، مشيدة بالدور الروسي الذي «يسعى إلى إطلاق عملية سياسية سورية، وإيجاد معالجات وطنية للمسألة الكردية»، بحسبها.
من جهتها، تبدي القوى الكردية حرصاً على إبقاء التنسيق مع الجانب الروسي، أخذاً في الاعتبار فشل تجربة الاعتماد على طرف دولي واحد، والتي أدت إلى فقدانهم المزيد من مناطق سيطرتهم، كما حصل خلال عملية «نبع السلام» التركية الأخيرة. وفي وقت يرفض فيه رئيس «مجلس سوريا الديمقراطية»، رياض درار، في تصريح إلى «الأخبار»، التعليق على زيارة جيمس جيفري للمنطقة، قائلاً إنه «لا يملك أيّ معلومات حولها»، يمهّد الرئيس المشترك لـ«المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية»، حامد المهباش، لقطع الطريق على محاولات واشنطن عرقلة الحوار مع الحكومة السورية، بالتأكيد في تصريحات إعلامية أن «يد الإدارة الذاتية ممدودة لدمشق، وندعوها إلى التفاوض والحوار لحلّ الأزمة السورية». لكن السياسي الكردي، فريد سعدون، يتبنّى قراءة مغايرة للحراك الأميركي في سوريا؛ إذ يعتقد أن «أميركا تمهّد لسحب قواتها من سوريا، والاكتفاء بالمراقبة الجوية للأوضاع هناك»، معتبراً أن «زيارة جيفري للقامشلي هي لمناقشة الإدارة الذاتية في هذا الموضوع، والضغط عليها وعلى الأترك من أجل التوصّل إلى تفاهم»، مضيفاً أن «روسيا - من جهتها - تعزّز وجودها في شرقي الفرات لكسب ثقة قسد ورعاية حوار بينها وبين دمشق». ويبدو أن سعدون يعتمد في قراءته تلك على التصريحات الأخيرة للقائد العام لـ«قسد»، مظلوم عبدي، الذي أكد «استعدادنا لعقد حوار مباشر مع تركيا لتحقيق السلام في المنطقة»، مشدداً في الوقت نفسه على «ضرورة إشراك الحكومة السورية في أيّ مفاوضات مع تركيا على اعتبار أن الكلّ سوريون»، مؤكداً «حرص الولايات المتحدة على السلام بين قسد وتركيا».