ختام «تاسع الحرب» حملَ معارك (وهدنة قلقة) أثارت تساؤلات حول مستقبل منطقة الحدود الشمالية، حيث تحتلّ تركيا شريطاً واسعاً من الأراضي وترعى «هياكل محلّية» عسكرية وإدارية، بموجب توازنات وتفاهمات مع كبار اللاعبين الدوليين على الساحة السورية. ويشابه تحدّي المنطقة الشمالية المحتلة تركياً واقع الشرق النفطي المُهيمَن عليه أميركياً؛ إذ باتت عودة تلك المناطق إلى كنف دمشق مساراً مفخّخاً بتجاذبات دولية تتشابك خيوطها خارج الحدود. وخلال هذا المسار الطويل تحاول دمشق تحصين قنوات تواصلها الإقليمية والدولية، لإدارة نزاع مع مثلث يقوّض سيادة سوريا على مقدراتها وأراضيها، أضلاعه الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل. ولهذا نجد سفارات عربية يعادُ افتتاحها في «الشام»، وزيارات لافتة لمسؤولين أمنيين وسياسيين إليها؛ من دون أن يفضي ذلك بالضرورة إلى «تحوّل واسع ومعلن» في العلاقات الرسمية، إذ يتطلّب ذلك ظروفاً خاصّة لم تكتمل بعد.


جمرٌ بلا نار
تبرز من بين التحديات العسكرية ــ السياسية في سوريا، في عامها العاشر، ثلاث عُقدٍ يحتاج حلّها إلى جملة مركّبة من الجهود، قد يكون أقلّها في الميدان؛ الاحتلال التركي في الشمال والمظلّة التي يوفّرها لتنظيمات إرهابية مثل «هيئة تحرير الشام» و«حراس الدين»، والاحتلال الأميركي في الشرق حيث النفط وسلطة «الإدارة الذاتية»، كما الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة، والتي لا تنفصل عن الصراع الإيراني ــ الأميركي بما حمله من تطورات متسارعة أعقبت اغتيال الجنرال قاسم سليماني وما تلاها من ردّ إيراني في العراق.
في الشمال، وبرغم دخول الجيشَين السوري والتركي في مواجهات مباشرة خلال المعارك الأخيرة، تُدلّ معطيات ما جرى، على أن قنوات التفاوض ستبقى صاحبة الكلمة الأعلى (ولو مرحلياً) في تحديد هامش التصعيد الميداني وأهدافه المرجوّة. خاصة أن الجانب الأميركي يجيد تجيير دعمه لأنقرة، ضمن حدود مدروسة، طالما أنها تلعب دوراً جوهرياً في تغيير توازنات القوى لصالح الخندق المعادي لدمشق. إذ سيكون للمناطق التي تحتلها تركيا والولايات المتحدة، وزنٌ سياسي كبير على طاولة التفاوض السورية، يتيح الضغط على دمشق وحلفائها لتحصيل مكاسب استراتيجية في «سوريا ما بعد الحرب»، توازياً مع التهديد بإبقائها بعيداً عن الحكومة المركزية، وإنهاك الأخيرة اقتصادياً، إن «لزم الأمر» هذا الخيار.
تؤكد دمشق أن هدفها الرئيس استعادة كامل الأراضي السورية، وأنها ملتزمة تنفيذه إمّا في الميدان أو عبر المفاوضات. غير أن خيارات أحد أبرز حلفائها، موسكو، تميل إلى الحلول التي تضمن «الاستقرار»؛ وهو ما توضّح جلياً في الإدارة الروسية لملف الشمال مع الأتراك (منذ معارك منّغ والباب، حتى عفرين ورأس العين وتل أبيض وإدلب). وفي الشرق حيث الأميركيون، تراهن الحكومة السورية على تحقيق تقدم في المفاوضات مع «الإدارة الذاتية» وعلى «تحفيز» مقاومة شعبية تتحدّى الوجود الأميركي هناك؛ والمساران يستثنيان المواجهة المباشرة مع القوات الأميركية، بما تحمله من تعقيدات لجهة موقفَي الحليفين الروسي والإيراني، المرتبطين بحسابات تتجاوز الملف السوري.
وحمل العام الماضي إشارات مهمة لجهة تحييد سوريا عن المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، على عكس العراق مثلاً. يُستثنى من ذلك، الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على سوريا، المتستّرة بحجّة «مواجهة الوجود الإيراني». وتلك الاعتداءات، تكمّل الدورين التركي والأميركي في الضغط على دمشق وحلفائها، برغم التحولات التي طرأت على طبيعتها أخيراً. إذ اعتمد العدو الإسرائيلي على تنشيط عمليات الاغتيال، على حساب الغارات الجوية الواسعة التي تم الحدّ من حجم وفعالية بعضها عبر نشاط الدفاعات الجوية السورية من جهة، وعبر نشاط روسيا الدبلوماسي من جهة أخرى.

تقدّر الجهات الأممية وجود 12 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية


ما سبق يرجّح تحديد خطوط الصراع وقواعده، بعيداً عن المواجهات المفتوحة، لتصبح مسألة استعادة السيطرة على المناطق المحتلّة، رهينة التفاهمات الدولية، التي ستعيد ملف «التسوية السياسية» إلى الواجهة، برغم التعثر الطويل الذي واجهه. وبناء على ذلك، سيشهد ملفّ «اللجنة الدستورية» محاولات تنشيط خلال الفترة المقبلة، لا سيما في ضوء التركيز الأميركي على ضرورة تعزيز المسار الأممي على حساب باقي المسارات، وخاصة «مسار أستانا». الأخير أيضاً بات يواجه تحديات مستجدة، بعد التغييرات التي فُرضت على مُخرجه الأهم (اتفاق خفض التصعيد)، على خلفية تطورات إدلب الأخيرة.

«جولة» الاقتصاد
ركّزت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على سلاح العقوبات الاقتصادية، في ملفات عدّة أبرزها الملف السوري. وجاء إقرار «قانون قيصر» العام الماضي، تتويجاً لسلسلة واسعة من العقوبات التي خنقت الاقتصاد السوري، وأضعفت قيمة الليرة، وحرمت السوريين من المواد الأساسية لأشهر طويلة وعلى فترات متقطعة، وعلى رأسها المحروقات (ومن خلفها الكهرباء). وعكفت أوراق قدّمها باحثون في عدة مراكز أبحاث أميركية، إلى التنويه إلى أن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها سوريا، وخاصة الانخفاض الأخير لقيمة الليرة السورية توازياً مع انخفاض مماثل في لبنان، فرصة لإعادة بناء الدور الأميركي في سوريا على قواعد جديدة، يمكن لها أن تكون فعالة أكثر من الوجود العسكري المحدود في الشرق.
ومن دون شك، سيترك تطبيق «قانون قيصر» آثاراً كبيرة على الاقتصاد السوري، والجهات المتعاونة مع دمشق، خاصة لجهة وقف تمويل المستوردات الذي يقدمه المصرف المركزي للتجار. وإلى جانب انخفاض قيمة العملة المتوقّع جرّاء تلك الإجراءات، لن يساعد حصر استيراد المواد الرئيسة بعدد محدود من التجار، في تخطّي آثار تطبيق «قانون قيصر» على مستوى معيشة السوريين. كذلك، فإنّ الاستعادة البطيئة للنشاط الاقتصادي، والإجراءات التي تعرقل عمل الصناعيين في بعض المناطق، تجعل من تأثير الصناعة المحلية المضاد للعقوبات محدوداً جداً. ومن دون شك، لن تقدّم الاستثمارات الروسية والإيرانية في المرافئ ومحطات الطاقة والخامات الباطنية، مردوداً كبيراً لخزانة الدولة السورية، دون إغفال حسابات الخطوط الائتمانية التي استفادت منها سوريا لمدة طويلة.
كل ذلك يفضي إلى تعاظم الضغوطات على الحكومة والمواطنين خلال العام المقبل، ولا سيما في الجانب المعيشي وتأمين الخدمات الأساسية. وبوجود كتلة كبيرة من موظفي القطاع العام، سيبقى ضمان تمويل رواتب هؤلاء عامل استقرار نسبي، لن يحيّد خطر تدني مستوى معيشتهم؛ في حين سينزلق آخرون من أصحاب الدخل المنخفض، إلى تحت خطر الفقر العالمي.

لا «هدنة إنسانية»


الأرقام التي تقدّر خسائر وضحايا سنوات الحرب التسع، تقلل من أهمية الحديث عن تطورات السياسة، سوى أن الأخيرة تلعب الدور الأهم في دفع عداد الخسارة إلى الأعلى. فعدد الذين قضوا خلال تلك السنوات تجاوز 300 ألف وفق تقديرات غير رسمية، فيما لا يوجد إحصاء لعدد المصابين والمتضررين. الأشهر الأخيرة فقط (منذ كانون الأول الماضي) دفعت ما يزيد على 900 ألف شخص إلى مغادرة مناطق سكنهم في الشمال الغربي، وهم ضمن أكثر من 6 ملايين نازح داخل سوريا، وأكثر من 5 ملايين لاجئ خارجها، أيضاً بحسب أرقام منظمات دولية.
تقدّر الجهات الأممية المعنية بملف الدعم الإنساني، وجود 12 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية، ما عدا اللاجئين في دول الجوار والعالم. وفوق تلك الأرقام، يصعب تقدير أعداد المعتقلين والمختطفين والمغيّبين قسراً خلال السنوات الماضية، وسط فشل في تحييد هذا الملف عن الاستثمار السياسي والإعلامي.