توفي اليوم نائب الرئيس السوري السابق، عبد الحليم خدّام، المعروف في أروقة السياسة بـ«أبو جمال»، بعدما أصيب بنوبة قلبية، داخل شقته في باريس (فرنسا) عن 88 عاماً. رحل ومعه خبايا سياسات سوريا، التي كان على دراية معمّقة بها حتى عام 2005، إذ عايش خدّام النظام منذ نشأته، وكلّما تقدّم في العمر والمسؤوليات كانت تزيد خبرته في شؤون الحكم والدولة.

وُلد خدّام سنة 1932 في بانياس (محافظة طرطوس)، وتخرّج من كلية الحقوق في دمشق، لينخرط سريعاً في العمل السياسي مُلتحقاً بحزب البعث السوري في سن السابعة عشرة. تزوج من نجاة مرقبي وله أربعة أولاد: ثلاثة ذكور وأنثى، يحملون جميعاً الجنسية السعودية. تدرّج في مناصب عدّة، سنةً تلو أخرى، لتكون البداية مع تولّيه منصب محافظ حماة، قبل أن يتسلّم محافظة القنيطرة لسنة واحدة من الـ1966 حتى نهاية الـ1967.
بعد حرب الـ1967، عُيّن محافظاً لدمشق، بعدها وزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية عام 1969. هناك بدأ مرحلة «حفر اسمه» في ذاكرة سوريا. استمر في مركزه الوزاري، إلى حين الحركة التصحيحية (سنة 1970، التي قام بها وزير الدفاع، في حينه، حافظ الأسد) التي كانت بداية عهد جديد رسّخ سلطة «البعث».
بعد وصول الأمين العام للقيادة القطرية لحزب البعث حافظ الأسد، إلى سدّة الرئاسة السورية، عُيّن خدّام وزيراً للخارجية، إلى حين تعيينه نائباً لرئيس الجمهورية عام 1984.
لم يكن «أبو جمال» بيدق اللعبة فقط، بل قيل عنه إنّه كان «عقلاً مفتوحاً ومستشاراً يُحلّل آلاف المواقف المُعقّدة للرئيس الأسد». إسهاماته كانت كبيرة في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية في الفترة ما بين الـ1975 إلى 1990، كما لعب دوراً مهماً في التحضير للاتفاق الثلاثي سنة 1985 ولاتفاق الطائف سنة 1989. من حينه، تولّى ملفّ العلاقات السورية - اللبنانية.
ارتبط اسمه بملفّ لبنان، ونسج سريعاً علاقة مع الثلاثي الأبرز، حينها، نبيه برّي - وليد جنبلاط - رفيق الحريري. كان الأخير الأقرب إليه، نظراً إلى نفوذه الضخم في لبنان والخارج. تطوّرت العلاقة من سياسية إلى عائلية وتجارية. وقد عكسها اليوم، وزير تيار المستقبل السابق، جمال جرّاح، في صورة نشرها على «تويتر» تجمع خدّام بالحريري، علّق عليها: «إلى جنّات الخلد يا أبو جمال، يا صديق الرفيق الوفي».
كثُرت الأخبار لدى حافظ الأسد عن «انتفاعات» خدّام من منصبه في سوريا ولبنان، لكنّ كان للرئيس رأي آخر ساهم في «الحفاظ» على خدّام بمأمن عن معارضيه. ظلّ الراحل يلعب دور «صمّام الأمان» في العلاقة بين سوريا والحريري الأب، ومن خلفه مع السعودية. لكن مع وفاة حافظ الأسد عام 2000، بدأت الأمور تأخذ منحىً آخر.

بدأ حياته السياسية محافظاً لحماة


استناداً إلى الدستور السوري، تسلّم خدّام مهام الرئاسة في المرحلة الانتقالية، مُقراً تعديل المادة 83 من الدستور لتُلائم ترشيح الأسد الابن لمنصب الرئاسة. وأصدر سريعاً، بتاريخ 11/6/2000، القانون الذي يقضي بتحديد عمر المرشح لرئاسة الجمهورية بإتمامه الـ34 من عمره، بعد أن قام بترقية العقيد بشار الأسد إلى رتبة فريق وتعيينه قائداً عاماً للقوات المسلحة. «سلّم» بشّار الأسد واستمر في مهامه نائباً للرئيس، وأُضيف إلى مهامه الملفّ العراقي. حذّر حينها، وقبل شنّ الولايات المتحدة حربها على العراق سنة 2003، من رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، وقال: «إذا نشبت حرب فإنّ ذلك سيرسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، ولكن ليس بالشكل الذي تسعى إليه الولايات المتحدة».
امتدّ عمله صوب العراق، من دون أن يتخلّى عن دوره في لبنان فظلّ «الراعي الرسمي» ومنظّم العلاقة بين بشار الأسد ورفيق الحريري. بدأت الأمور تنقلب مع إبعاد بشّار الأسد لـ«المحاربين القدامى». في لحظة ضعف أخيرة، ورويداً رويداً جرى تجريده من الملفات الحسّاسة لكثرة الأخبار والتحليلات عن علاقاته المشبوهة استخباراتياً بالأميركيين والفرنسيين والسعوديين، بعدما لوحظ أنه صار صمام الأمان وحائط المبكى للحريري كلما تعرض الأخير للانتقاد من قبل الفريق الجديد الذي عيّنه الأسد. تدخّل خدام غير مرة في قضايا كثيرة لمصلحة الحريري من دون جدوى. حقبة نفوذه انتهت مع وفاة الحريري. خرج من المشهد، وقبل خدام بالخسارة. بدأ العدّ التنازلي لمسيرته الناجحة. وفي عام 2005 لجأ إلى باريس، وأعلن انشقاقه عن النظام السوري منتقداً الرئيس وداعياً الى التغيير السلمي في سوريا وإسقاط النظام، مدعوماً من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وفي لقاء له مع القناة الثانية الإسرائيلية أعلن أنه تلقّى أموالاً ومساعدات منهم للإطاحة بالنظام.
جاءت الأزمة السورية عام 2011، وسريعاً انضم خدام إلى صفوف المعارضة. ذاق من كأس الإخفاق مرة أخرى بعدما فشل مشروع الهيمنة الأميركية، وصارت الهزيمة في دائرة وعيه. أزاح رقعة السياسة برفق لاحتواء ما وصل إليه بعدما أخذ العمر منه شيئاً. استسلم تماماً لما يُراد أن يكون قدر المنقلبين على بلادهم. ولا شكّ في أنه يرى أن ما علق في رأسه من كل شيء، بعد كل شيء، هو صور نجاحه التي ما كان يظن أنها ستنتهي. تجول في ذاكرته قليلاً من خلال مقابلات شهيرة وكتب رفعها باسمه. في 31 آذار عام 2020 انتهت حياته تاركاً رقعة الشطرنج التي أبدع فيها إلى أن انقلبت الطاولة عليه.