الحسكة | كثّفت كل من واشنطن وباريس نشاطهما السياسي المنسّق في شمال وشرق سوريا أخيراً، بهدف توحيد الجهود والضغط باتجاه الوصول إلى مصالحة كردية ــــ كردية، وإنهاء حالة الانقسام «الحزبي» الكردي، وتشكيل إدارة جديدة لشمال وشرق سوريا.

ولا تبدو خطوة توحيد الصف الكردي في سوريا بسيطةً في ظل وجود خلافات سياسية وعسكرية عميقة، وتعدّد الولاءات السياسية تجاه الأطراف الدولية والإقليمية. إذ يمكن القول إن «الإدارة الذاتية» مثلاً، تحظى بدعم أميركي وغربي بشكل عام، بعكس أحزاب «المجلس الوطني» التي تدين بالولاء لحكومة كردستان العراق، مع علاقات مميّزة بتركيا، بالإضافة إلى كونها جزءاً من «الائتلاف» السوري المعارض الذي يعتبر «قسد» تنظيماً إرهابياً.
وفي ظل هذه الخلافات، وجدت كل من فرنسا والولايات المتحدة أن خطوة توحيد الصف الكردي ستمكّنهما من تحقيق تقارب مهم بين المعارضات السورية المتعدّدة، تمهيداً لتوحيدها بجسم سياسي وعسكري موحّد. من هنا، جاءت المبادرة الفرنسية لتوحيد الأحزاب الكردية منذ قرابة عام، وتبعها جهد أميركي يعمل بالاتجاه ذاته، لكن لا معلومات مؤكدة عن تحقيق تطور مهمّ يمكن البناء عليه، باستثناء بعض التوافقات المحدودة. فبعد مرور أكثر من شهر على اللقاءات المستمرّة لممثل وزارة الخارجية الأميركية في سوريا، السفير وليام روباك، مع الأحزاب السياسية الكردية، جاءت زيارة وفد من الخارجية الفرنسية للمنطقة لتعزيز هذه الجهود، ومحاولة إنجاز اتفاق سياسي للأطراف الكردية. ورغم أن المعطيات المتوافرة تؤكد أن الجهود الأميركية نجحت في إحداث تقارب أوّلي بين الجهات الكردية، ووضع أُسس يمكن البناء عليها لجهة متابعة الحوار وتطويره، فإن نتائج الاجتماعات الفرنسية لا تبدو مبشّرة في ظل أنباء عن تعطل الحوار.
وحاولت واشنطن التأسيس لأرضية مناسبة للحوار، من خلال الضغط على «الإدارة الذاتية» لإعادة فتح مكاتب «المجلس الوطني»، وإعادة الأملاك المصادرة لسياسيين أكراد، مع وعود بالكشف عن مصير المعتقلين والمفقودين، بالإضافة إلى الحصول على موافقة حكومة كردستان العراق، لدفع أحزاب «المجلس» الموالية لها، للتوصّل إلى اتفاق مع الإدارة الذاتية.

التمس المحاورون الأميركيون صعوبة دمج «قسد» مع «بشمركا روج أفا» فأجّلوا الخطوة


وأتبعت واشنطن هذه الخطوات بإعداد مسوّدة أوّلية لإمكانية تشكيل إدارات مشتركة لمجالس المدن والبلديات والأحياء بين الأحزاب الكردية في «الذاتية» و«المجلس» و«التحالف الوطني» ومستقلّين، وتطويرها لاحقاً لتشمل الهيئات السياسية والعسكرية.
لكن الجهود الأميركية اصطدمت بوجود هوّة واسعة تتعلق بالتوجّه السياسي لكل طرف. والتمس المحاورون الأميركيون صعوبة دمج «قسد» مع «بشمركا روج أفا» مثلاً، في جسم عسكري موحّد، لذلك عمدوا إلى تأجيل هذه الخطوة لتكون الأخيرة، لضمان استمرارية اللقاءات وعدم تفجير المسار. ووفق المعلومات التي حصلت عليها «الأخبار» من مصادر مطلعة على مسار التفاوض، فإن «واشنطن رحّبت بممثلي الخارجية الفرنسية الذين وصلوا إلى الحسكة منذ قرابة أسبوع، بهدف مقاطعة الجهود مع الأميركيين، والوصول إلى صيغة تؤسّس لإنجاز المصالحة المطلوبة». وتفيد المصادر بأن «الوفد الفرنسي التقى في مدينة رميلان وفوداً من حزب الاتحاد، وأحزاب المجلس الوطني، والتحالف الوطني، وأحزاب مقربة من الإدارة الذاتية للاستماع إلى نقاط التقارب والخلاف بينهما». وتلفت إلى أن «وفد المجلس الوطني الكردي طلب من الفرنسيين أن يكونوا هم الطرف الوحيد الممثّل لكل الأحزاب والشخصيات الأخرى في المفاوضات مع حزب الاتحاد والإدارة الذاتية الكردية». ورأت المصادر في طلب المجلس «إعاقة محتملة للجهود الفرنسية الأميركية المشتركة، وتهديداً بنسفها». كما رجّحت أن «يكون طلب المجلس جاء بتحريض من الجانب التركي، الذي يريد عرقلة الوصول إلى أي توافق أو مصالحة بين الأطراف السياسية الكردية».
في هذا الإطار، يؤكّد الأكاديمي والسياسي الكردي المستقل فريد سعدون، في حديث إلى «الأخبار»، أن «هنالك إجماعاً دولياً غربياً وأميركياً، وحتى روسياً، لتوحيد الصف الكردي في سوريا»، معتبراً أن «الخلافات السطحية التي تصرّ عليها بعض الأطراف الكردية قد تؤدّي إلى تجميد هذه الجهود». ويرى أن «إنجاز مصالحة كردية في سوريا يخدم حتى الحكومة السورية، في سياق طريقها نحو الحوار مع الأكراد لإنجاز تسوية تخص المناطق الخاضعة لسيطرة قسد». كما يستبعد «وقوف تركيا خلف تعطيل الحوار مؤقتاً بين الطرفين»، مستنداً إلى تأكيدات «بحصول ممثّل وزارة الخارجية الأميركية في سوريا وليام روباك، على موافقة مسعود برزاني على تحقيق هذه المصالحة، من خلال السماح لأحزاب المجلس بالدخول في هذه المفاوضات، وهو ما يعني ضمنياً موافقة تركيا عليها»، ويرجّح أن «يكون تصرّف المجلس الوطني الكردي محاولة للحصول على أكبر مكاسب ممكنة».