تصارع دمشق لتوفير احتياجاتها الأساسية من موارد الطاقة كالمحروقات والغاز. وتحت وطأة الحصار المطبق الذي تفرضه الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية على سوريا، تزيد الأخيرة إجراءات التقشف في استهلاك مادة البنزين التي تشهد نقصاً حاداً. لا تقتصر الأسباب على الحصار والعقوبات القاسية، بل تشمل احتلال القوات الأميركية المناطق التي فيها حقول النفط السورية بالتعاون مع «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) في الشمال الشرقي، الأمر الذي أدرجه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مراراً، تحت بند «حماية حقول النفط».

أمس توقفت وزارة النفط السورية عن تزويد السيارات التي تستهلك كميّات أكبر من المحدد بالبنزين المدعوم، في إجراء تقشفي جديد يعكس الحاجة إلى توفير النفقات والمشتقّات النفطية. وأعلن وزير النفط والثروة المعدنية، علي غانم، إيقاف تزويد السيارات الخاصة ذات سعة محرك «2000 سي سي» وما فوق، وكل من يملك أكثر من سيارة، سواء أكان فرداً أم شركة، بالبنزين المدعوم. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية «سانا» عن غانم أن «المشتقات النفطية والنفط الخام المُورّد إلى سوريا لا يأتي بأسعاره العالمية فقط، بل بقيم مضافة على أجور النقل والتحويلات المالية نتيجة الإجراءات الاقتصادية القسرية» على الحكومة، موضحاً أن القرار «يرفع الدعم جزئياً عن تسعة في المئة فقط من السيارات».
وتحتاج سوريا إلى 146 ألف برميل نفط خام يومياً، في حين أن المنتج حالياً هو 24 ألف برميل، أي إن الفجوة اليومية هي 122 ألفاً. ويرجع اتساع الفجوة إلى احتلال الأميركيين حقول النفط وحرمان الدولة السورية الاستفادة منها. كما فاقمت العقوبات الأميركية على إيران، أبرز داعمي سوريا ومن أهم مورّدي النفط إليها، أزمة المحروقات، خاصة أن دمشق تعتمد على خط ائتماني يربطها بطهران لتأمينها. وبلغ الإنتاج السوري من النفط قبل اندلاع الحرب عام 2011 نحو 400 ألف برميل يومياً، لكنه مُني بخسائر كبرى، فيما لا تزال غالبية حقول النفط والغاز خارجة عن سيطرة القوات الحكومية.

بوتين: الولايات المتحدة بدأت تتبع نهجاً أكثر واقعية بشأن سوريا


وكان يحقّ للسيّارات الخاصة، بغضّ النظر عن سعة محركها، الحصول على مئة ليتر من البنزين المدعوم شهرياً، على أن يتحمَّل مالكوها نفقة أي كمية إضافية. أما اليوم، فبات يجب على المشمولين بالقرار تأمين الوقود لسياراتهم على نفقتهم الخاصة، أي بالسعر غير المدعوم والمحدد بتسعة آلاف ليرة سورية (12 دولاراً أميركياً تقريباً) لصفيحة البنزين (20 لتراً)، فيما كانوا يحصلون عليها بخمسة آلاف ليرة فقط.
على الصعيد السياسي، أبدى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، «تفاؤلاً حذراً» بشأن التعاون مجدداً مع روسيا لوضع حد للحرب، مشيراً إلى أن «موسكو قد تكون ضاقت ذرعاً بالرئيس بشار الأسد». وقال جيفري في تصريحات قبل أيام: «قد تكون روسيا مستعدة بشكل أكبر الآن... رأينا بعض المؤشرات في الإعلام الروسي وفي تصرّفات روسية معيّنة... لتكون أكثر مرونة بشأن اللجنة الدستورية». وأضاف: «قد يكونون على استعداد مجدداً للتباحث معنا بشأن طريقة تحلّ (المسألة) من دون انتصار عسكري. من الواضح جداً في هذه المرحلة لروسيا أنهم لن يحققوا انتصاراً عسكرياً، بكل تأكيد ليس في أي وقت قريب».
وقابل تصريحات جيفري، في اليوم نفسه، حديث للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال «حوار الخط المباشر» مع المواطنين الروس عبر قناة «روسيا اليوم»، قال فيها إن بلاده «لا تخطّط لسحب قواتها العسكرية من سوريا في الوقت الحالي»، مستدركاً أنها «لا تعمل على بناء منشآت دائمة هناك». وأول من أمس، قال بوتين خلال مؤتمر في مدينة هامبروغ الألمانية على هامش أعمال قمة «مجموعة العشرين»، في تصريح لافت، إن «الولايات المتحدة بدأت الآن تتبع نهجاً أكثر واقعية في ما يتعلق بالموضوع السوري»، من دون أن يوضح ماهية هذا النهج.
يأتي تبادل هذه الرسائل في وقت يجري فيه الحديث بكثرة، خصوصاً لدى الإعلام الروسي والغربي، حول الاقتراب من مرحلة «ما بعد الأسد»، فيما نفى الكرملين هذه المزاعم، مدرجاً إياها في خانة «الصحافة الصفراء».