سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | دمشق | قد تنجح صور الدمار لشوارع وأبنية كثير من المناطق السورية، في تكوين ملامح للمعنى المقصود من استخدام كلمة «الخراب» أثناء الحديث عن الأزمة السورية. لكن ثمة ما لا تستطيع أي صور أو كلمات أن تصفه بدقة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بـ«الخراب» الذي لحق بالإنسان السوري، وبمستقبل سوريا وإمكان تجاوزها لـ«الصدمات» الكثيرة التي خلفتها السنوات الثلاث المنصرمة.


قبل نحو عامين ونصف العام، تفرغ باحث اقتصادي، مع بعض زملائه، لرصد الأزمة بأسبابها وجذورها ونتائجها وخسائرها، عبر تأسيس مركز بحثي مستقل. وقد أصدر أبحاثاً ودراسات سياسية واقتصادية عدة، نُفّذ بعضها بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة، ومثلت بياناتها المصدر العلمي الوحيد المتاح لتقويم آثار الأزمة اجتماعياً واقتصادياً.
يؤكد ربيع نصر، الباحث والمحقق الرئيسي في «المركز السوري لبحوث السياسات»، لـ«الأخبار»، «استقلالية المركز والعمل بمنهجية علمية وبالشراكة مع خبراء في مختلف القطاعات، ليقدّم أرضية مناسبة للعاملين بالشأن العام في ظل الأزمة».
وفي آخر تقديرات المركز حول تأثيرات الأزمة حتى نهاية عام 2013، يشير الباحث زكي محشي إلى «وضع كارثي على المستوى الإنساني والتنموي. إذ خسرت سوريا أكثر من أربعين عاماً من النمو الاقتصادي والتراكم الرأسمالي ومستويات التعليم والصحة والعمل، فتراجع مستوى دخل الفرد ليقارب مستواه في نهاية الستينيات. وتعرضت القطاعات الإنتاجية لدمار كبير. وانكشف الاقتصاد من خلال نسب قياسية في عجز الميزان التجاري والعجز الجاري وعجز المدفوعات، كذلك ازداد عجز الموازنة إلى أكثر من نصف الناتج المحلي، وتجاوز الدين العام 125% من الناتج المحلي، كما تجاوز معدل البطالة 50%. وترافق ذلك مع زيادة الاستقطاب المجتمعي والتخلخل في النسيج المجتمعي وانتشار مظاهر العنف والتعصب. والأخطر من ذلك هو تحويل الموارد البشرية والمادية من طاقات منتجة إلى مصادر للهدم والتدمير من خلال الاقتتال المسلح والأنشطة المرافقة له والتي تخلق الحوافز لاستمراريته».
بلغة أخرى، يرتب الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق ومدير المكتب المركزي للإحصاء سابقاً، شفيق عربش، خسائر السوريين جرّاء ثلاث سنوات من الأزمة تبعاً لخطورتها على مستقبل البلاد، إذ يرى أنّ «هروب أو هجرة الكفاءات الوطنية المتميزة، خوفاً مما ترافق من سلوكيات سيئة مع الأزمة مثلت الخسارة الأهم. فمعظم الكوادر الوطنية غادر أو جرى استقطابه من دول عربية كثيرة، لا سيما تلك التي موّلت القتل والتدمير في سوريا، وأقصد دول الخليج. بينما تجلت الخسارة الثانية بتدمير معظم مكونات القطاع الاقتصادي وعلى رأسها ما تعرضت له مدينة حلب، وكذلك المنطقة الشرقية التي جرى فيها الاعتداء على الموارد الأساسية للحياة السورية وهي زراعة الحبوب، والاعتداء والسيطرة على الكثير من آبار النفط وبيع إنتاجها إلى الخارج بأسعار بخسة. أما الخسارة الثالثة، وهي على المستوى البشري، فتتعلق بأن قسماً كبيراً من هذا الجيل فقد فرصته في التعليم، نتيجة النزوح الداخلي والخارجي والتنقل الدائم، وأكثر من ذلك شيوع ظاهرة التجهيل».
وفي الخسائر غير المباشرة يشير عربش إلى «عدم تمكن من منيَ بخسارة مباشرة في القطاع الخاص من الوقوف ثانية على قدميه. فبعد إعالته لعدد من العائلات ومساهمته تالياً في التكافل الاجتماعي أصبح الآن بحاجة إلى إعانة. أما أكثر الخسائر غير المباشرة فهي انفراط العقد الاجتماعي في سوريا، فبدل المحبة والتكافل أصبح هناك شيء من الحقد والكراهية والبغض، ناهيك عن الخسارة غير الملحوظة وهي تردي الحالة الصحية للمواطنين، إذ لم يبق في سوريا ما يكفي للعناية بصحة المواطنين والبنية الجسدية...».
لكن، إلى أيّ حد يمكن للأرقام التي تنشر محلياً أو خارجياً حول تداعيات الأزمة أن تصف الواقع؟
في الإجابة على هذا السؤال يتفق الباحثون الاقتصاديون على استحالة تقديم توصيف دقيق للواقع. يوضح محشي: «هناك صعوبات كبيرة في تقديم تصوّر دقيق لآثار الأزمة، ولكن هناك محاولات جادة تُبذل لرسم ملامح هذه الآثار، ما يساعد على فهم تداعيات الكارثة إلى حد كبير. هذه المحاولات الجادة تستخدم أدوات البحث العلمي وتبتعد عن الاستقطاب السياسي، وتأثيرات قوى التسلط داخلياً وخارجياً، وتقترب من الواقع وتحاول فهمه بموضوعية».
ويعتقد عربش أنّه «ليس هناك جهة ما، رسمية أو غير رسمية، قادرة على أن ترصد بدقة آثار الأزمة، لكن هناك أرقام تصدرها الحكومة لا تدعو إلى التفاؤل، وآخرها مثلاً أن الخسائر المباشرة للقطاع الحكومي بشقيه الخدمي والاقتصادي بلغت أكثر من 800 مليار ليرة سورية، وهذا رقم قد يبدو للوهلة الأولى كبيراً، لكنه قياساً إلى ما حصل يبقى متواضعاً. وفي اعتقادي أن سوريا خسرت بشكل مباشر عقوداً من التنمية، وبشكل غير مباشر هي بحاجة إلى أكثر مما فعلت ألمانيا لإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية».
من جهته، يحاول الباحث نصر أن يحدّد صعوبات الحصول على رقم دقيق لتأثيرات الأزمة، فيقول: «في ظل النزاع المسلح الداخلي يغيب صوت العقل وتقل المساحة المتاحة للحوار الموضوعي، كما تتضاءل مصادر البيانات الموثوقة، ويتعرض رأس المال البشري من مختصين وخبراء إلى أضرار فادحة نتيجة العنف وعدم الشعور بالأمان. وهذا ما مثّل تحدياً كبيراً للعمل البحثي للمركز السوري لبحوث السياسات. إلا أن للأزمة وجهاً آخر تمثل باندفاع الكثيرين للعمل تطوعاً لخدمة الصالح العام، ومساعدة المبادرات الجادة التي تسهم في تجاوز الأزمة».

ماذا عن المستقبل؟

في الحديث عن مستقبل سوريا يحضر سيناريوهان أساسيان لا يمكن تجاهلهما في أي قراءة استشرافية، الأول يقوم على احتمال استمرار الأزمة وما قد ينجم عن ذلك، والسيناريو الثاني يتعلق بالبدائل المتاحة.
في حالة السيناريو الأول، يرى نصر أنّ «الأزمة الراهنة تمثّل تهديداً وجودياً للوطن. فالمؤسسات والاقتصاد والعلاقات المجتمعية والثقافة والبيئة معرّضة لمخاطر انهيار كارثي يقود إلى فوضى عبثية تمتهن ما تبقى من كرامة الإنسان وتبدد فرص النهوض المستقبلية. إن الاعتقاد بأن ما وصلنا إليه حالياً هو الأسوأ، لا يأخذ في الاعتبار المستقبل الأكثر ظلاماً وكارثية، الذي سيقود إليه استمرار النزاع المسلح».
أما في حالة السيناريو الثاني، فيختصر عربش المشهد بالإشارة إلى أنه إذا توقفت الحرب الآن «فنحن في حاجة إلى ما بين 10 و15 سنة إذا توفرت الرؤية السليمة والنية الصادقة ومستلزمات عملية إعادة الإعمار». وبشيء من التفصيل، يحدّد نصر الأسس التي يمكن أن تنطلق منها مهمة صناعة البدائل المستقبلية، فيقول: «الأساس الأول هو رسم رؤية مستقبلية واضحة مبنية على أساس احترام شخصية الإنسان وحقوقه في العيش الكريم والتمكين وإتاحة الفرص بعدالة للجميع والمشاركة في بناء المؤسسات الفعالة ومساءلتها ضمن بيئة توفر الحريات المدنية بما فيها حرية التفكير والتعبير. أما الأساس الثاني فيتمثل بتوفر الأدوات التي تمكّن المجتمع من تجسيد خياراته المرغوبة في الوصول إلى الرؤية، والتي تتمثل بعمل مهني تشاركي موضوعي يضع بين يديه بدائل لاستراتيجيات المستقبل ويقوّم مدى فعاليتها وكفاءتها في الوصول إلى تنمية تضمينية محورها الإنسان. ولا يتوفر ذلك من دون فهم معمق لتفاعلات القوى المؤثرة في المجتمع داخلياً وخارجياً وتشخيص الحالة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمؤسساتية. والأساس الثالث هو وضع تصور لإنهاء الأزمة يقطع مؤسسات التسلّط والإقصاء، ويضع قواعد لمؤسسات تتبنى قيم الرؤية المستقبلية وتعمل على تحقيقها».