سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | دمشق | «لم يكن عملنا على الأرض نوعاً من ملء وقت فارغ لدينا، كما يخيَّل للبعض. كنا عدداً كبيراً من الشابات والشباب الطامحين إلى التخفيف من لهب نار الحرب التي فتكت بالجميع»، تقول منار، الطالبة الجامعية التي تطوعت في منظمة الهلال الأحمر إثر المعارك التي شهدتها مدينتها حمص. وتضيف: «كنا ننقسم إلى مجموعات.


بعضنا يذهب للدوام في المستوصفات التابعة للهلال الأحمر، التي كانت تعنى بالحالات الإسعافية الناجمة عن الحرب، وبعضنا الآخر يلتزم العمل الخارجي، أي المشاركة في تنظيم قوافل المساعدات التي تدخل في بعض الأحيان إلى المناطق الساخنة، إضافة إلى المشاركة في نشاطات الهلال الأحمر داخل المناطق التي تشهد هدوءاً نسبياً، كالمعالجة النفسية للأطفال، وإقامة حملات التبرع للمنظمة، سواءٌ عبر الحفلات أو عن طريق جمع المساعدات على نحو مباشر». كان النشاط، بحسب منار، «شاقاً جداً، وتطلّب جهداً استثنائياً من المتطوعين، في بعض الأيام كنا نضطر إلى البقاء في مركز عكرمة ليلتين متواصلتين، وهو ما سبّب لنا، كإناث، مشكلات كبيرة مع أهلنا، وإن أبدوا بعض التفهم أحياناً»، كان هذا قبل أن تضطر إلى اللجوء إلى لبنان، بعدما اتخذت عائلتها «القرار الحاسم بترك سوريا للحفاظ على حياة الجميع، بعدما اُدرج اسم أخي في خانة المطلوبين للجيش الحر».
قبل الأحداث السورية، لم يكن عمل المنظمات الإغاثية، كالهلال والصليب الأحمر، يتجاوز تدشين مستوصف في أحد الأحياء، أو تنظيم حملات تلقيح للأطفال ضد الأمراض السارية والمزمنة، اضافة إلى الحملات التوعوية التي كانت ترعاها هذه المنظمات. وعلى صعيد أقسام الطوارئ الخاصة بالكهرباء، كان وجود ثلاثة أو أربعة عمال في الأقسام المحلية، كافياً ليحلّ الأعطال الكهربائية التي تصيب منطقة ما، و«عندما كانت تتطلب الأعطال وجود أعداد أكبر من عمال الصيانة، لم نكن في حاجة إلى أكثر من طلب الدعم من الأقسام الأخرى القريبة منا»، يقول مازن درويش، العامل السابق في كهرباء مدينة دمشق.
مع اشتداد الحرب، وخصوصاً في بدايات 2012، وُضعت فرق الإغاثة والصيانة أمام امتحان قاسٍ، بين ضرورات العمل التي فرضها اتساع رقعة «الجبهات الساخنة»، والشح في الإمكانات التي يتطلبها إنجاز العمل. في البداية، أدت قلة الكوادر الدور الأبرز في إعاقة عمل المنظمات الإغاثية، ولا سيما مع هجرة عدد كبير من الأفراد العاملين فيها، فكان أن حلَّت حملات التطوع التي بادر إليها بعض الشباب السوري جزءاً من الأزمة. أما على صعيد عمال الكهرباء، ففي أحسن الأحوال زيد عدد العمال في القسم الواحد، عاملاً أو عاملين، وهو ما عرقل، لاحقاً، عمل فرق الصيانة في سوريا.
وفي هذا السياق، يقول مصدرٌ مطلع في مجلس محافظة دمشق، في حديث الى «الأخبار»: «في عام 2011، عاشت منظمات الإغاثة واقع الصدمة جراء اتساع دائرة المتطلبات التي وقعت على عاتقها مهمة إنجازها، بينما مثَلت سنة 2012 حالة الصراع مع الإمكانات القليلة التي تمتعت بها، وصولاً إلى 2013، وما يمكن تسميته عام الانتعاش الناتج عن تمكَّن هذه المنظمات من رفع سوية أدائها، بالتزامن مع المساعدات الدولية التي حصلت عليها»، ويضيف: «لا يجوز تحميل التقصير الناتج في السنوات الأولى للشباب العاملين، أو المسؤولين عن هذه المنظمات، بل إن الحالة القديمة رسَّخها ضعف الدعم المقدَّم إليها، دولياً وداخلياً».
خلال عملها على الأرض، عانت منظمات الإغاثة المدنية، إضافة إلى عمال الصيانة، التضييق الخانق الذي فرضته المعارك العسكرية على الأرض، ففضلا عن الاستهدافات التي طاولت كوادرها، تعرّضت المنظمات لتضييق من العناصر الأكثر تشدداً في الحرب. يقول محمد الأحمد (اسم مستعار)، المتطوع في منظمة الهلال الأحمر السوري: «خلال إجلاء المدنيين من منطقة المعضمية (قبل أربعة أشهر) تعهّدنا للناس إخراج الجميع من دون التعرض لأحد، غير أن الأجهزة الأمنية أصرَّت على البحث عن مطلوبين في قوائمها، ما أدى إلى اتهامنا من قبل البعض بأننا قد ورطناهم وسلمناهم». ويضيف الأحمد، خلال لقائه مع «الأخبار»: «هي ذاتها الحالة التي كانت تصيبنا عندما نتعهد للجيش أن المسلحين لن يطلقوا النار خلال خروج إحدى القوافل المدنية، فيباغت بعض المسلحين الجميع ويضعوننا في مواقف محرجة مع الجيش من جهة، والمدنيين من جهة أخرى».
وكشفت منظمة الهلال الأحمر السوري عن استشهاد 34 متطوعاً ومتطوعة، فارقوا الحياة أثناء قيامهم بعمليات الإغاثة، حيث فارق أكثر من عشرة متطوعين حياتهم في محافظة حمص. وفضلا عن القتل الناجم عن المعارك في سوريا، يواجه أكثر من تسعة متطوعين في المنظمة الاعتقال في سجون الفروع الأمنية السورية.
ومع كل ارتفاع في حدة الانقسام العمودي في المجتمع، بين مؤيد ومعارض للنظام السوري، كان الاستقطاب يزداد لمصلحة هذه المنظمات، حيث كان الانضمام إلى تلك المجموعات «البعيدة عن السياسة، والتي ترمي إلى مساندة ضحايا الحرب من دون زيادة تعقيد الأزمة، يساعدنا على الشعور بأننا لسنا على الهامش، بل إننا نقوم بما هو إنساني ويريح ضمائرنا». تقول الجامعية نهى.ك، خلال لقائها مع «الأخبار».
في المقابل، ارتفع رصيد عمال الكهرباء في الوعي الشعبي السوري، حيث بات ينظر إلى العامل على أنه ذلك البطل الذي يصرُّ على أداء واجبه في أحلك الظروف. بينما كثيراً ما جرى تحميل عمال الكهرباء المسؤولية عن الأعطال الناجمة على صعيد القطاع الكهربائي قبل الأحداث السورية. حالة التعاطف الجديدة هذه يلاقيها عمال الكهرباء بالتأكيد على أن عامل الكهرباء لا يزال منقوص الحقوق، حيث لم تعمد الحكومة السورية إلى سن قوانين تتيح زيادة أجر هؤلاء العمال، ولا سيما أن نطاق عملهم وظروفه أصعب بكثير من باقي القطاعات العمالية. «الكلام، وفقط الكلام، هو ما تقدمه الحكومة السورية لنا. ألفا ليرة سورية (حوالى 13 دولاراً) هو ما أتقاضاه لقاء طبيعة العمل، علماً أنني من الممكن أن أقوم بالإصلاحات في أكثر الجبهات سخونة في ريف دمشق». يقول ف. هـ، العامل في شركة كهرباء دمشق.
وحول الخسائر البشرية التي طاولت قطاع الكهرباء، أعلنت وزارة الكهرباء استشهاد أكثر من 156 عاملاً منذ بداية الحرب السورية، إضافة إلى أكثر من 155 مصاباً، و37 مخطوفاً حتى نهاية 2013. وطاولت الخسائر الشركة العامة لتوزيع الكهرباء على نحو أساسي، تليها المؤسسة العامة لنقل الكهرباء، وأخيراً المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء.