الحسكة | تركّز آرين، ابنة مدينة الدرباسية في ريف الحسكة الشمالي، في ورقة امتحان مادّة العلوم لطلاب شهادة التعليم الأساسي، للإجابة على الأسئلة، في مقرّر دراسي انقطعت عن تلقي التعليم عبره منذ عدة سنوات، ما اضطرها للتقديم مع «الطلاب الأحرار» (أصحاب الطلبات الحرّة). تقول إن «الإدارة الذاتية ألغت، منذ ثلاثة أعوام، التدريس لشهادة التعليم الأساسي في مدينتنا، وأغلقت المدارس وفرضت مناهج خاصة بها». لكن آرين لم تقبل بالأمر الواقع، وهي تعتبر أن «منهاجها لا قيمة له؛ لذلك أتيت إلى الحسكة وتلقّيت دورات تعليمية في معاهد خاصّة، لإكمال تعليمي الذي يضمن لي مستقبلاً أفضل بتلقي التعليم الثانوي والجامعي».

بدورها، تؤكّد فاطمة، ابنة مدينة عامودا، أنها «اضطرت للغربة عن أهلها، ومتابعة تحصيلها العلمي في مناطق سيطرة الحكومة في مدينة الحسكة، لكي لا تُحرم من متابعة تعليمها». وترى فاطمة أن «إلغاء التعليم الحكومي، وفرض مناهج أخرى، هما محاولة لسلب الطلاب مستقبلاً تعليمياً واضحاً في الجامعات الحكومية»، وتطالب بـ«السماح بالتعليم الحكومي، وتحييد التعليم عن السياسة والصراعات». كذلك، فإن أبا محمود، سائق إحدى الحافلات التي تنقل الطلاب من مدن وأرياف بعيدة إلى الحسكة، لتقديم امتحاناتهم، يتحدّث إلى «الأخبار» عن عشرات الباصات التي تقوم يومياً بنقل الطلاب من المدن والأرياف البعيدة إلى الحسكة، «وسط تسهيلات حكومية واضحة». ويضيف أن «الكثير من الأهالي يرافقون أولادهم، ويقطعون مسافات بعيدة، لضمان مستقبلهم»، معتبراً أن «الأهالي يعيشون معاناة حقيقية، لضمان استمرار تعلّم أبنائهم بالمناهج الحكومية».

تدنّى عدد المدارس التي تدرّس المنهاج الحكومي في الحسكة إلى 407 من أصل 2423


ورغم إلغاء «الإدارة الذاتية» الكردية التعليم الحكومي في مناطق سيطرتها بشكل تدريجي منذ عام 2013، ومحاولة فرض مناهج مغايرة للمنهاج الحكومي، فإن 28600 طالب تقدّموا إلى الامتحانات العامة (الحكومية) في مدينتَي الحسكة والقامشلي، ينقسمون على التعليمين الأساسي والثانوي. وتفرض «الإدارة الذاتية» منهاجاً خاصاً بها على الطلاب في الحسكة وعين العرب، فيما يواصل طلاب الرقة ودير الزور ومنبج تلقي التعليم بالمنهاج الحكومي، لكن من دون أي اعتراف حكومي رسمي، إذ تمنع الإدارة الكردية المعلّمين الحكوميين من تدريس الطلاب في تلك المناطق. وتسبب القرار بتسرّب الكثير من الطلاب في المناطق الخاضعة لسيطرة «الإدارة» من التعليم الحكومي مع تدني عدد المدارس التي تُدرّس المنهاج الحكومي، إذ في محافظة الحسكة مثلاً، تدنى عدد المدارس التي تدرّس المنهاج الحكومي إلى 407 مدارس فقط، من أصل 2423، يدرسُ فيها قرابة 120 ألف طالب، فيما بلغ عدد المتسربين من التعليم أكثر من 160 ألف طالب. وفي هذا السياق، تقول مديرة التربية في الحسكة، إلهام صورخان، لـ«الأخبار»، إن «المديرية بذلت جهوداً مضاعفة لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلاب في المدارس الحكومية، لضمان استمرار تلقيهم التعليم الحكومي»، مؤكدة أن «إجراءات حكومية ميسّرة اتُّخذت لإتاحة المجال للطلاب للوصول إلى المراكز الحكومية والتقدّم إلى الامتحانات العامة، وعدم انقطاع الطلاب عن التعليم». وتبيّن صورخان أن «المديرية فتحت عدداً من المدارس لتلقي منهاج الفئة (ب)، وفق نظام عامين بعام، لتعويض الطلاب ما فاتهم من تعليم في السنوات السابقة». وتشير إلى أن «المدارس الحكومية تعيش ضغطاً كبيراً في أعداد الطلاب، وصل إلى أكثر من 90 طالباً في الشعبة الصفية»، معتبرة أن ذلك «يعكس تمسّك الأهالي والطلاب بالتعليم الحكومي، ورفض المناهج المغايرة للمنهاج الحكومي».
وكانت «هيئة التربية والتعليم»، التابعة لـ«الإدارة الذاتية»، قد أصدرت في شهر حزيران/ يونيو الفائت، قراراً بـ«تعليق التدريس لطلاب الثالث الثانوي، وفق مناهج وزارة التربية الحكومية، واستبدالها بمنهاج خاص بهيئة التربية والتعليم»، لتنهي بذلك التعلّم بالمنهاج الحكومي في مناطق سيطرتها في الحسكة لطلاب التعليم الأساسي والثانوي. وتعلّق مديرة التربية في الحسكة، على هذا القرار، بالتأكيد أن «مديرية التربية ستعمل على استيعاب الطلاب بالمدارس الحكومية، في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش في مدينتَي القامشلي والحسكة وأريافهما»، لافتةً إلى أنه «تم افتتاح أكثر من 200 غرفة صفّية مسبقة، منذ عام 2016 حتى الآن؛ بهدف استيعاب أكبر عدد ممكن من الطلاب». وتضيف صورخان أن «المديرية ستعمل على زيادة عدد الغرف الصفية، وتحويل مزيد من المقرات الحكومية إلى مدارس، لضمان عدم ضياع أي عام دراسي على الطلاب». وكانت مديرية التربية في الحسكة قد حوّلت عدداً من المقرات الحكومية إلى مدارس، مع وضع غرف مسبقة الصنع في عدد من الساحات وبالقرب من الحدائق العامة، وتحويلها إلى مدارس، لاستيعاب العدد الكبير من الطلاب، ولتعويض النقص في عدد المدارس، بعد استيلاء «الإدارة الذاتية» على أعداد كبيرة من المدارس الحكومية في المحافظة.