سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | إذا كانت ماهية «الجيش الحر» ملتبسةً منذ الإعلان عن تشكيله عام 2011، فالثابت اليوم أن ذلك «الجيش» لم يعد يتجاوز كونه مجرد تسمية إعلامية. وهو، في حقيقة الأمر، لم يشكل في أي وقت مضى مظلةً جامعة، ولم ينجح في إيجاد قيادة حقيقية تُسيّر عمل المجموعات المسلحة المنتشرة في الميدان. فتشكلت مئات المجموعات التي ارتدت لبوس «الجيش الحر». وكان إعلان تبعيتها له مجرد «جواز مرور» إلى عالم الدعم الخارجي. وتجب الإشارة هنا إلى أن الجهات المموّلة (وأبرزها السعودية وقطر وسلفيّو الكويت) كانت حريصةً على الهويّة «الإسلامية» للمجموعات المستهدفة بالدعم، من دون أن تشترط إعلانها.


عام 2013، بدا المشهد أشدّ وضوحاً. صار الخطاب «الإسلامي» علنيّاً، وانتظمت معظم المجموعات في «جبهات» ومحاور جديدة، تغلب عليها الصبغة «الجهادية». فاتحدت مجموعات كانت تُعلن تبعيتها للجيش الحُر مع مجموعات متشددة لم ترفع راية «الحُر» يوماً. ومثال ذلك، مساهمة «لواء التوحيد» إلى جانب «جيش الإسلام» و«حركة أحرار الشام» في تشكيل «الجبهة الإسلامية». وهذه الأخيرة باتت الضلع الثالث في مثلث القوى المعارضة الوازنة، إلى جانب «جبهة النصرة»، و«الدولة الإسلامية في العراق والشام». وإذا كان تطرّف «داعش» و«النصرة» أشهر من أن يُعرّف، فإن «الجبهة الإسلامية» لا تقلُّ تطرفاً عنهما، وعلى وجه الخصوص «حركة أحرار الشام» التي يُمكن وصفها بـ«تنظيم القاعدة السوري».
تقسّم «هيئة أركان الجيش الحر» الميدان السوري إلى خمس جبهات. الجنوبية في دمشق وريفها ودرعا والسويداء. الشرقية في الرقة ودير الزور والحسكة. الغربية في اللاذقية وطرطوس. الوسطى في حمص وحماه. والشمالية في حلب وإدلب. في ما يلي نضع جبهات القتال السورية تحت المجهر، بحثاً عن «المجموعات المعتدلة».

الجبهة الجنوبية

إضافة إلى «جبهة النصرة» و«جيش الإسلام» التابع لـ«الجبهة الإسلامية»، تعجُّ هذه الجبهة بعشرات المجموعات «الجهادية» الصغيرة، أبرزها «الكتيبة الخضراء» التي تُعتبر «ذراعاً قاعديّة» بامتياز، رغم أنها لا تحظى بشهرة إعلامية. «المجاهدون السعوديون» حاضرون بقوة داخلها، وقد «بايعت» زعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري، ويُفاخر قادتُها بأنهم «أول من استخدم العمليات الانغماسية في سوريا». وعلى نحو أقل، يُسجل حضور لكلٍّ من «لواء البراء» الذي تبنّى خطف الزوار الإيرانيين «لأنهم شيعة»، و«تجمّع أمجاد الإسلام» الذي تشكل من خمس مجموعات «إسلامية» في تشرين الأول الماضي، وجاء في بيان إعلانه أنه شُكّل «حرصاً على رص الصفوف وتطوير العمل الجهادي». وفي الشهر ذاته، شكلت أربع مجموعات ما سمّته «جيش أهل السنّة والجماعة» الذي تعهّد بـ«متابعة القتال من أجل إعلاء كلمة الله وإسقاط النظام الصفوي». وهو الخطاب نفسه تتشاطره كل المجموعات التي استمرت «مستقلةً» في ريف دمشق حتى الآن، مثل: «كتيبة صقور الإسلام»، «تجمع أنصار الإسلام»، «لواء شام الرسول،» و«كتيبة شيخ الإسلام ابن تيمية»....


عام 2013 بدا المشهد أشدّ وضوحاً وصار الخطاب «الإسلامي» علنيّاً


في درعا، أيضاً، تطغى «المجموعات الإسلامية». وأبرزها «كتيبة المثنى بن حارثة» (التي تُعرّف عن نفسها بأنها قاهرة الفرس الصفويين)، «لواء المهاجرين والأنصار» (يضم جهاديين أجانب)، «فرقة اليرموك» التي تشكلت الشهر الماضي جامعةً تحت رايتها «الإسلامية» 14 مجموعةً تعاهدت على «تحرير درعا من براثن الاحتلال النصيري» تحت شعار «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون». كذلك تحضر في المنطقة أيضاً ألوية وكتائب مبايعة لـ«النصرة»، مثل «لواء شهداء المسيفرة».
في القنيطرة يبرز «لواء أحفاد الرسول» الذي انضوى تحت راية «جبهة ثوار سوريا». أما المجموعة التي تتباهى «هيئة الأركان العامة» بأنها «إسلامية معتدلة»، فهي «لواء شهداء اليرموك» الذي تشكل في آب 2012 بقيادة بشار الزعبي، بعد دمج سبع مجموعات صغيرة. وفي آذار 2013 احتجز هذا «اللواء» أفراد قوات حفظ السلام الدولية أثناء مرورهم في المنطقة المنزوعة السلاح، لأنهم «صليبيون». وربما كان ذلك أحد مظاهر «الاعتدال».

الجبهة الشرقية

المجموعات الأبرز في هذه الجبهة هي «الجبهة الإسلامية» وتنظيم «داعش» الذي ينفرد بالرقة، وتُنازعه «النّصرة» على دير الزور ومنابع النفط، وتسعى إلى السيطرة على «حوض الخابور» في الحسكة (راجع «الأخبار»، العدد 2243). كذلك يُسجل حضور لـ«الجبهة الإسلامية الكردية» التي تضم أقل من 1000 مسلّح، وتهدف في الدرجة الأولى الى مقاتلة الجماعات الكردية «الكافرة».

الجبهة الغربية

أقلُّ الجبهات التي تشهد انتشاراً للمجموعات المسلحة. وينحصر انتشارها في الريف الشمالي للاذقية. وهي مجموعات «جهادية» بكاملها، أبرزها «النصرة»، «أحرار الشام»، «أنصار الشام»، و«جنود الشام». والأخير تنظيم معظم مقاتليه شيشانيون، ولا علاقة له بتنظيم «جند الشام». كذلك تبرز «حركة شام الإسلام»، وهي حركة «جهادية» معظم مقاتليها من الجنسية المغربية (راجع «الأخبار»، العدد 2253).

الجبهة الشمالية

كانت هذه الجبهة ـــ زمنياً ـــ ثانية بوابات قدوم الجهاديين «المهاجرين»، وما زالت أولاها من حيث الضخ. ينقسم النفوذ «المعارض» فيها بين كلٍّ من «داعش» و«النصرة» و«جيش المجاهدين» و«الجبهة الإسلامية». وأبرز مكونات «الجبهة» في تلك المنطقة «لواء التوحيد» و«حركة أحرار الشام». وتم الإعلان أخيراً عن انضمام مجموعات جديدة إلى «الجبهة» في حلب، وعلى رأسها «لواء عاصفة الشمال» و«لواء أحرار سوريا»، وهما مجموعتان لصوصيّتان بامتياز (راجع «الأخبار»، العدد 2175)، لتصبح «الجبهة» في المنطقة خليطاً عجيباً من المتشددين واللصوص.
أما «جيش المجاهدين» فيسير على «المنهج» المتشدد ذاته. وهو الذي أكد في «البيان رقم 2» أن «مجاهدي جبهة النصرة إخوتنا»، كما دعا «المهاجرين في داعش إلى الانشقاق عنه والالتحاق بصفوف إخوانهم المجاهدين الصادقين المرابطين على ثغور سوريا ضدّ نظام الأسد النصيري». ومن أحدث «إنجازات» هذا «الجيش» اعتقال الناشطة «المسيحية» المعارضة مرسيل شحوارو، وإجبارها على توقيع تعهّد بارتداء الحجاب. وقد قضم «جيش المجاهدين» حين تشكيله أكبر مجموعة كانت تتقنّع بـ«العلمانية» في المنطقة، وهي «الفرقة التاسعة عشرة في الجيش الحر» (راجع «الأخبار»، العدد 2191).
وفي إدلب، دخل «جيش الشام الإسلامي» على الخط بقوة، بعد أن تشكل من اتحاد مجموعات عدة في شباط الماضي، ويرفع هذا «الجيش» شعار: «نحو خلافة إسلامية راشدة».

الجبهة الوسطى

كانت أولى المناطق التي استقبلت «الجهاديين» عبر الأراضي اللبنانية. «لواء الحق»، المنتمي الى «الجبهة الإسلامية السورية»، و«جبهة النصرة» هما المجموعتان الأبرز في المنطقة. كذلك يبرز «لواء مجاهدي الشام» التابع لـ«الإسلامية». وفيما انهار «جند الشام» الذي كان الأقوى في منطقة الحصن، لا تزال «ألوية الفاروق» حاضرة، وهي التي ظهرت أول الأمر باسم «كتائب الفاروق» وحققت شهرة كبيرة، بدعم من «الإخوان المسلمين» و«الأشقاء السعوديين». قاتلت «الفاروق» بـ«منهجية» طائفية تعتبر «دم النصيريين مُباحاً»، وقد تشظّت اليوم إلى «فاروق الشمال»، و«الفاروق الإسلامي»، و«لواء عمر الفاروق المستقل»، و«كتائب فاروق حماة»، من دون أن يتخلى أيٌّ منها عن «هدر الدم النصيري». ويُسجل في المنطقة حضور ضئيل لـ«هيئة دروع الثورة»، وهي مجموعةٌ تشكلت في آب 2012 بدعم من «الإخوان المسلمين». ولا يتجاوز عدد مسلحيها ألفاً. وكانت حتى وقت قريب أحد «الرهانات المؤجلة» للجماعة التي ساهمت في تسويقها كـ«تحالف إسلامي مُعتدل». لكن يبدو أن وضع الإخوان على «لائحة الإرهاب السعودية» أخرج «دروع الثورة» من اللعبة، الأمر الذي لم يطَل «كتائب الوحدة الوطنية»، وهي مجموعة لم تخُض معارك فعلية منذ تشكيلها في آب 2012، ويتراوح عدد مسلحيها بين 1500 و2000 يتوزعون على عدد من «الجبهات» ضمن «كتائب» تحمل أسماءً غير إسلامية، مثل «يوسف العظمة»، و«عبد الرحمن الشهبندر». ولا تتمتع «كتائب الوحدة الوطنية» بفاعلية، ولا بعلاقات خارجية وطيدة، كما لا تمتلك «واجهة» بارزة، خلافاً لـ«جبهة ثوار سوريا» بقيادة جمال معروف، التي يُرجّح أن تستقطب «الوحدة الوطنية» إليها قريباً.