فيما تستضيف العاصمة البلجيكية، بروكسل، «مؤتمر المانحين حول سوريا» في نسخته السادسة (يقوده الاتحاد الأوروبي بدلاً من الأمم المتحدة التي أحجمت عن قيادته إثر استبعاد روسيا)، تتهيّأ وفود سورية حكومية ومعارِضة، للمشاركة في الجولة الثامنة من اجتماعات «اللجنة الدستورية» المقرَّر عقدها نهاية الشهر الجاري، بالتوازي مع اجتماع هو الثامن عشر لـ«مسار أستانا» الذي ترعاه كل من روسيا وإيران وتركيا، والذي أعلنت موسكو أنه سيُعقد أيضاً نهاية أيار، في العاصمة الكازخية، نور سلطان.

وهاجمت وزارة الخارجية الروسية مؤتمر المانحين الذي تغيب عنه دمشق وموسكو، متهمةً إيّاه بـ«الانزلاق أكثر فأكثر إلى التسييس المتهوّر للقضايا الإنسانية»، و«إعاقة مشاريع التعافي المبكر». ورأت أن «المانحين الغربيين يتباهون بتبرعاتهم السخية، من دون أن تحرجهم الحقيقة المتمثّلة بأن واشنطن وبروكسل هما من يَخنق السوريين العاديين بعقوبات غير قانونية أحادية الجانب، ويحتلّان أراضي شرق الفرات، والتنف... ويشاركان في نهب الموارد الطبيعية لسوريا». من جهتها، بدأت دول أوروبية الاستعداد للمؤتمر عبر تمرير رسائل مترافقة مع تكثيف الضغط على كل من موسكو ودمشق. وبدا الموقف الفرنسي لافتاً في هذا الإطار، إذ ركّزت باريس على المساعي الروسية لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، بهدف تجميد هذه العودة واستبعاد دمشق من قمّة الجزائر المقبلة، في ظلّ ارتقاب دعوتها، وهو ما يشكِّل ربطاً مباشراً بين هذا الملف والمساعدات المالية المنتظر تقديمها إلى دول جوار سوريا التي تستضيف لاجئين.

هاجمت وزارة الخارجية الروسية مؤتمر المانحين الذي تغيب عنه دمشق وموسكو


وفيما يتعزّز الصدام الروسي ــــ الأوروبي حول سوريا، تُثار شكوك عديدة حول الموقف الأوروبي من تركيا، في ظلّ مساعي هذه الأخيرة للاستفادة من الظروف السياسية الدولية، وتسريع وتيرة مشروعها في المناطق الحدودية السورية، حيث تعمل على إعادة تشكيل واقع ديموغرافي جديد عبر مشاريع سكنية هدفها الظاهري إعادة اللاجئين السوريين. جاء ذلك في وقت تشهد فيه تركيا صراعاً انتخابياً يتصدّره ملف اللاجئين السوريين، إذ يحاول الرئيس رجب طيب إردوغان الاستفادة من هذا الملفّ قدْر الإمكان لتحقيق مجموعة من المكاسب، أبرزها: التخلّص من عبء اللاجئين، وتالياً ضمان رفع شعبيته داخلياً، وإبعاد الأكراد لخلْق بيئة موالية لأنقرة على طول الشريط الحدودي، الأمر الذي يتعارض، جزئياً، مع مشروع تحاول الولايات المتحدة تمريره عبر دمج الأكراد (الإدارة الذاتية التي تقودها «قسد») مع المعارضة السورية، وتشكيل جسم معارِض وازن. ووفق مصادر متقاطعة، أبلغ مسؤولون أميركيون، معارضين في «الائتلاف السوري»، أن تنفيذ هذا المشروع من شأنه إنعاش مناطق المعارضة اقتصادياً، بعد تمرير استثناءات من العقوبات الأميركية (قيصر) لمناطق في الشمال والشمال الشرقي من سوريا من جهة، و«زيادة الضغط على النظام السوري»، من جهة أخرى، ما سينتج منه، وفق هؤلاء، تسريع وتيرة التغيير السياسي في سوريا. وفي سبيل تقديم دفعة للمشروع الأميركي الذي لا يزال قيد النقاش مع أنقرة، تزيد الولايات المتحدة من ضغوطها السياسية لتمرير آلية إدخال المساعدات عبر الحدود (معبر باب الهوى) والتي تنتهي مفاعيلها في شهر تموز المقبل، وهو ما دفع المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، ليندا غرينفيلد، إلى الإعلان عن زيارة عاجلة إلى معبر باب الهوى قبيل انعقاد مؤتمر بروكسل، وإلقاء كلمة في اليوم الثاني منه. لكنها عادت وأرجأت الزيارة إلى ما بعد المؤتمر، حيث من المنتظر أن يناقش مجلس الأمن ملفّ المساعدات خلال جلسة دعت إليها واشنطن، تنعقد في العشرين من الشهر الجاري، على أن تتبعها جلستان ستعقدان أيضاً بدعوة أميركية: تناقش الأولى ملفّ الأسلحة الكيميائية السورية في 23 أيار، فيما تُخصّص الثانية لمناقشة الوضع السياسي.
وإلى التحديات السياسية، يواجه المؤتمر بنسخته السادسة تحديات مالية، وسط شكوك حول قدرة الدول الغربية المشارِكة فيه على توفير مبالغ مالية كافية للوفاء بتعهداتها في الجانب الإنساني، وخصوصاً في ظلّ الحرب الأوكرانية وما رافقها من ضغوط اقتصادية كبيرة على أوروبا. وكان المؤتمر قد فشل، في نسخه الأخيرة، في تحقيق تطلعّات الأمم المتحدة، إذ لم يوفّر سوى ثلثي الأموال المطلوبة للمساعدات الإنسانية، في وقت حذّرت فيه الأمم المتحدة من «قتامة» الوضع في سوريا، حيث يعاني الملايين للبقاء على قيد الحياة.