دمشق | في الوقت الذي واصلت فيه الولايات المتحدة والدول الغربية انسحابها الإعلامي من وعود التسليح، ودفعت «الائتلاف» المعارض إلى تخفيض سقف مطالبه للقبول بحضور مؤتمر «جنيف2»، كانت هناك مجزرة تُرتكب في خان العسل بريف حلب. مجزرة مرّت بصمت تحت أنظار العالم، كغيرها من المجازر السابقة التي ارتكبت بحق عناصر الجيش السوري.


المجزرة التي نفذت بدم بارد وتحت صيحات «الله أكبر»، قبل أن يعمد المسلحون إلى التنكيل بالجثث ورميها في حفرة كبيرة على أطراف البلدة، أثارت في نفوس السوريين نوعاً من الغضب والخذلان، لا سيما أنّ كل التوقعات كانت تشير إلى وقوعها مع تأخر وصول التعزيزات الحكومية، وتقدم حشود «الجهاديين» في ريف حلب استعداداً للهجوم على المحافظة، بدعم سعودي واضح. هذا الدعم جاء من خلال الإعلان، قبل أيام، أنّ على المسلحين، المنتمين في غالبيتهم إلى الكتائب الإسلامية، السيطرة على حلب، مدينة وريفاً.
وبخلاف ما ورد عن مصدر إعلامي حكومي عن أنّ غالبية من ارتكبت بحقهم المجزرة هم من المدنيين العزل، يشير مصدر سوري متابع، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أنّ الشهداء هم في غالبيتهم من العسكريين الذين واصلوا القتال ضد المسلحين رغم استشهاد عدد من قادتهم قبل يومين من وقوع المجزرة. ويبيّن أنّ العسكريين اتصلوا بقيادة العمليات في حلب لإغاثتهم بسبب نقص السلاح والذخيرة، قبل أن تسبقهم يد الإجرام وتقوم بإعدامهم بدم بارد، فجر الخميس الفائت.
ولا يخفي المصدر ارتباط مجزرة خان العسل بقضية استخدام السلاح الكيميائي في المنطقة ذاتها قبل أشهر، حيث تم أخيراً، حشد الآلاف من المسلحين، من جنسيات غير سورية، مع أنباء وصول فريق التحقيق الأممي إلى دمشق، للهجوم على المنطقة والسيطرة عليها تحت أي ظرف كان. وهذا ما حدث بالفعل، بعد ارتكاب العديد من المجازر بحق المدنيين، لتكون أفظعها المجزرة الأخيرة.
ويتهم المصدر الحكومة التركية، المتورطة، كما يقول، في تزويد المسلحين بالسلاح الكيميائي الذي قصفت به خان العسل، بالشراكة التامة والتورط في المجزرة لمنع الوفد الأممي من الوصول إلى الأرض والتحقيق الذي سيثبت استخدام المعارضة لهذا السلاح، لافتاً إلى أن تنسيقاً سعودياً تركياً بدأ منذ فترة لتزويد المسلحين بمزيد من الأسلحة المتطورة والصواريخ استعداداً لما سمّوه «معركة حلب»، بغية تقوية المسلحين استباقاً لما قد يحمله مؤتمر «جنيف2».
وحسب مصدر آخر مطّلع على الأوضاع العامة في سوريا، في حديثه مع «الأخبار»، رأى أنّ ما أعلنته السعودية من تقديمها دعماً إضافياً للمقاتلين الإسلاميين، الذين شكلوا غرفة عمليات مشتركة في حلب باسم «الوعد الصادق» للتنسيق على جميع الجبهات للإعداد «للهجوم الشامل» للسيطرة على حلب، يندرج في السباق مع الوقت، لفرض أمر واقع يسيطر فيه هؤلاء المقاتلين على الأرض، قبل انعقاد «جنيف2»، لا سيّما بعد إشارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أن أولويات المؤتمر هي توحيد جهود الحكومة والمعارضة لطرد الجماعات الإسلامية التكفيرية، القادمة من خارج الحدود.
ويتساءل المصدر عن سبب صمت «الائتلاف» المعارض، بعد أن وافق على حضور «جنيف2»، عن استمرار تدفق الأسلحة والصواريخ المضادة للمدرعات كل يوم إلى الجماعات الإسلامية المسلحة غير المنضوية في «الجيش السوري الحر»، من أجل معركة حلب، التي تمهد لها بعض الكتائب، في ريف حلب الشرقي، منذ أيام، من خلال ما سمّي معركة «رص الصفوف» لقطع طريق الإمداد الوحيد في بلدة خناصر، الذي فتح لإغاثة مدنيي الأحياء الغربية
المحاصرة.
إلا أن ما تخطط له الجماعات المتطرفة، التابعة بمعظمها لجبهة النصرة ودولة العراق والشام الإسلامية، لن يتحقق لأن معركة حلب ستحسم لمصلحة الدولة السورية وجيشها، وفق ما يؤكده المصدر، حيث ستكون هناك سلسلة عمليات قادمة ضد معاقل المسلحين في حلب وريفها، وهو ما يتقاطع مع ما ورد في كلام المصدر الإعلامي الحكومي، وتأكيد وزير الإعلام عمران الزعبي أن الذين ارتكبوا المجزرة ومن يدعمهم ويموّلهم ويسلحهم سيدفعون ثمناً باهظاً لقاء وحشيتهم، وأن الشعب والجيش السوريين على أهبة الاستعداد الدائم.
في السياق، أدان «الائتلاف»، أمس، قيام جماعات مسلحة بـ«اعدام ميداني لعشرات الجنود التابعين للقوات النظامية»، معلنة عن «تشكيل لجنة تحقيق في الحادثة».
وفي بيان مشترك له ولقيادة أركان الجيش الحر، رأى أنّ «الاتصالات الاولية أفادت بتورط جماعات مسلحة غير منضوية تحت لواء هيئة أركان الجيش السوري الحر».
وشدّد البيان «على ضرورة ملاحقة كل من يثبت ضلوعه في ارتكاب أي جريمة في هذا الصدد»، مشيراً إلى أن «المستفيد الوحيد من مثل هذه الخروقات هو نظام الأسد والعصابات والميليشيات الموالية والداعمة له».
وبين المعركة المقبلة في حلب، ومجزرة خان العسل، يبدو ازدياد دور الكتائب والجهات الإسلامية «الجهادية» المدعومة سعودياً وتركياً، في محاولة «إخفاء» أدلة استخدام السلاح الكيميائي في المكان، واستباق أي حل سياسي قد يخرج به المؤتمر الدولي في جنيف، لتخلط الاوراق من جديد ويكون السؤال القادم للمعارضة قبل النظام: ماذا لو بات شمال سوريا في عهدة تلك الجماعات التكفيرية؟ وأي مصير سيكون للمؤتمر الموعود بعد ذلك؟