استفاض وزير الخارجية السوري وليد المعلم في مؤتمره الصحافي، أمس، في تناول مسألتين مترابطتين على جدول الأزمة السورية هما: لجنة المحققين الدوليين في استخدام الأسلحة الكيميائية، والتهديدات المتصاعدة بضربة عسكرية لسوريا. أما انعقاد مؤتمر رؤساء هيئات الأركان للدول المعادية لسوريا في الأردن، الذي ابتدأ قبل يومين من مؤتمر المعلم الصحافي، فلم يتناوله إلا بإيجاز شديد. وكذلك تجنب الحديث مباشرةً عن دور الأردن في الأزمة السورية، منذ بدأت، في تهريب السلاح والمسلحين لسوريا، مكتفياً بتنويه إيجابي بتصريح رسمي أردني بأنّ الأردن لن يكون منطلقاً لضرب سوريا.


لكن الحقيقة هي أنّ الأردن، باستضافته لمؤتمر رؤساء هيئات الأركان المشتركة للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا وألمانيا وإيطاليا وتركيا وقطر والسعودية، لا يمكن اعتبار موقفه محايداً، فضلاً عن اعتباره ايجابياً، إزاء سوريا.
وقد أبدت دمشق قدراً كبيراً من التفهم حتى الآن لما جرى على أرض الأردن ضدها، جزئياً لأنها تدرك أن الأردن، بالرغم من أهمية موقعه، يبقى بحكم الجغرافيا السياسية طرفاً ثانوياً في المعادلة الإقليمية، يتأثر أكثر بكثير مما يؤثر. فمشكلة سوريا تبقى أساساً مع الولايات المتحدة والحكم السعودي، اللذين يسعيان لتحويل الأردن إلى فك كماشة آخر، بالإضافة إلى تركيا ولبنان، للتضييق على سوريا، وهو ما يمثل استمراراً للدور الوظيفي الذي لعبته الدولة الأردنية في عدد من الملفات الإقليمية المهمة كالعراق وليبيا والقضية الفلسطينية وغيرها.
وعليه لا تريد سوريا أن تقدم مبرراً إعلامياً مجانياً للتصعيد على حدودها الجنوبية بذريعة أن لديها خلافاً متصاعداً مع الأردن، أو أنّ «سوريا تتهجم على الأردن»، وأنّ الأردن، بالتالي، بحاجة للحماية، مما يمكن أن يقدم غطاءً لحشد كمية أكبر من القوات الأجنبية وقواعد الطائرات بطيار وبدون طيار، ولإقامة معسكرات تدريب للجماعات السورية المسلحة. ولذلك تم تجاوز موضوع مؤتمر هيئات الأركان المشتركة للدول المعادية لسوريا على أرض الأردن، في مؤتمر المعلم الصحافي، في ظل جوٍ متلبدٍ بنذر الحرب.
وتقول صحيفة القوات المسلحة الأميركية بأنّ ذلك المؤتمر، الذي بدأ مساء يوم الأحد، تمت استضافته بشكل مشترك من رئيسي هيئتي الأركان الأميركية والأردنية، وبأنّه سينعقد لثلاثة أيام، وسيتدارس «الأمن الإقليمي وعواقب الأزمة الراهنة في سوريا» في الوقت الذي يتموضع فيه ألف جندي أميركي في الأردن، ومركز سيطرة وتحكم، وفصيلة من طائرات «اف 16» في قاعدة المفرق الجوية، وصواريخ باتريوت في موقعين بالأردن، وسفينة مارينز برمائية في ميناء العقبة جنوب الأردن.
ويضاف هذا الحشد العسكري الغربي في الأردن إلى ثلاث سفن حربية أميركية، انضمت إليها مدمرة أميركية رابعة قبل يومين، وأربع أخرى بريطانية، في شرقي البحر المتوسط، وإلى طائرات الميراج والرفاييل الفرنسية في القاعدة الفرنسية في الإمارات العربية المتحدة، والقاعدتين الجويتين الأميركيتين في إنجرليك وإزمير في تركيا، والقاعدة الجوية البريطانية في أكروتيري في قبرص، وهي المنصات المفترضة لأي ضربة لسوريا حسب صحيفة «ذي غارديان» البريطانية (25/ 8/ 2013).
«من المؤكد أنه لن تكون هناك قوات برية» في أي ضربة محتملة لسورية، حسب مصدر عسكري بريطاني كما تقول الصحيفة، إنما يدور الحديث عن ضربة جوية على غرار ليبيا، من خلال هجوم صاروخي من الجو والبحر. يدور الحديث إذن عن هجوم صاروخي.
المشكلة طبعاً، بالنسبة لهجوم كهذا، أن سوريا تمتلك دفاعات جوية روسية متقدمة، مثل صواريخ «بانتسير»، وصواريخ «بوك» ذات المنصات المتحركة، وأسلحة كيميائية سبق أن قالت إنها ستستخدمها فقط في حالة تعرضها لهجوم خارجي، وهو ما يجري التهديد به الآن، كما تمتلك شبكة تحالفات إقليمية ودولية قوية لم يكن يتمتع بهما العراق أو ليبيا عندما هوجما.
بالمقابل، يمتلك حلف «الناتو»، مثلاً، صواريخ «كروز» من نوع «ستورم شادو»، التي تحملها طائرات «تورنيدو»، والتي يمكن إطلاقها عن بعد 240 كيلومتراً، أي من خارج نطاق مجال الدفاعات الجوية السورية، وهي صواريخ عيبها الوحيد أنها تكلف 500 ألف جنيه استرليني للصاروخ الواحد. في الوقت الذي تعاني فيه القوات المسلحة لحلف الناتو من تخفيضات في موازناتها، لكن، بوجود الدول الخليجية، فإن تمويل استخدام مثل تلك الصواريخ وغيرها لن يعود مشكلة كبيرة بالطبع. وهي فرصة للصناعات العسكرية الغربية لابتزاز الدول الخليجية مالياً بأية حال، فثمة مصلحة عضوية لتلك الصناعات بشن ضربة على سوريا.
ويبقى السؤال: هل ستتعرض سوريا لضربة عسكرية فعلاً أم أن كل الحديث عن مثل تلك الضربة هو جزء من التهويل الإعلامي الذي يفترض أن يدفع دمشق لتقديم تنازلات سياسية لم يتمكن حلف الناتو وحلفاؤه من انتزاعها حتى الآن؟
فإذا افترضنا أن ثمة ضربة على وشك أن تسدد، ماذا سيكون دور الأردن فيها؟ وهل سيكون دوراً هجومياً أم دفاعياً في حالة تم الرد على الضربة بضربة للكيان الصهيوني؟
لا بد أن ما سبق هو بعض ما تناوله مؤتمر هيئات الأركان المشتركة للدول المعادية لسوريا، الذي يشكل عقده على بعد بضع عشرات الكيلومترات من دمشق، جزءاً من إظهار جدية النية بتوجيه ضربة، ولذلك يمكن القول إنّه حقق هدفه بغض النظر عما سيتمخض عنه.
فالهدف من الضربة، إذا تمت، هو إطالة أمد الصراع في سوريا وإعطاء فرصة إستراتيجية للجماعات المسلحة لكي تنفذ خطة الانقضاض على دمشق، وغيرها، التي كان يطيحها هجومٌ استباقي للجيش السوري عندما تم شن هجوم إعلامي، دولي وإقليمي، مضاد على سوريا من زاوية مزاعم استخدام الجيش للسلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية.
وإذا لم تتم الضربة، خوفاً من ردّ صاروخي صاعق على الكيان الصهيوني مثلاً، فإن التلويح بها بجدية يصبح جزءاً من عملية تصعيد الضغط السياسي على سوريا وحلفائها والسعي لإضعاف مواقعهم سواء بضربة أو بدون ضربة.
فواشنطن وحلفاؤها يلعبون مع سوريا الآن لعبة حافة الهاوية، التي لا تكون لعبة مقنعة إذا لم تكن احتمالية الضربة قائمة حقاً.
والأردن في هذه اللعبة عبارة عن بيدق على رقعة الشطرنج الإقليمية، وقد سبق استخدام قواعد أميركية في الأردن للهجوم على العراق في العام 2003، واستخدام سلاح الجو الملكي الأردني في ليبيا في العام 2011. لكن لا يدل المعلن من احتشاد القوات الغربية في الأردن حتى الآن أنه سيكون منطلقَ أي ضربة محتملة لسوريا، بل يدل عددها وعديدها وموضعها إلى أنها أساساً في وضعية دفاعية، إذا ما أطلقت صواريخ باتجاه الكيان الصهيوني عبر المجال الجوي الأردني، وهو ما يمكن أن يدفع لاستخدام طائرات «اف 16» الأميركية للرد بسرعة، وعن قرب، على مواضع إطلاق أي صواريخ على الكيان رداً على ضرب سوريا، سواء من سورية نفسها أو من جنوب لبنان أو البقاع الغربي.
بالمقابل، يسعى الحكم السعودي لفتح جبهة برية للجماعات السورية المسلحة عبر الأردن (ولبنان) لأن الحدود التركية ليست ملعبه الطبيعي، بما أنها تحت سيطرة حكم إخواني، فيما يسعى لتقليم أظافر الإخوان وقطر إقليمياً وسورياً. والحكم الأردني أقرب للحكم السعودي مما هو للقطري أو الإخوان، ومن هنا زاوية الجذب للانجرار لمثل ذلك المشروع البري، بغض النظر عن أية ضربة جوية لسوريا، وهو الأمر الذي لا يجد إجماعاً في صفوف صناع القرار داخل الدولة الأردنية نفسها. وهي قصة أخرى تحتاج لمعالجة مختلفة.