جولة، وإن كانت أساسية ومؤثرة، انتصرت فيها سوريا وحلفاؤها. إلا أنّ الحرب بين المحورين المتصارعين في الساحة السورية، لا تنتهي هنا. المنتصر لم ينتصر بالمطلق، والمهزوم لم ينهزم بالمطلق. مع ذلك، امتناع أميركا عن استهداف سوريا، أو ارتداعها، سيؤثر في أصل الصراع والسعي إلى ترتيب جديد لخريطة المنطقة، التي بموجبها وبنتائجها، ستكرس معادلات تتجاوز الشرق الأوسط.


لم يكن بالامكان، بصورة حتمية، وحتى الدقائق الأخيرة التي سبقت خطاب الرئيس الأميركي، باراك أوباما، القول إنّ الاعتداء على سوريا كان وشيكاً ولا رجعة فيه، رغم كل التأكيدات التي سبقت، ورغم كل المؤشرات الحسية الدالة عليه. كان هناك من راهن، على أن الضربة لن تحصل، لا بسبب أميركي وحسب، أما إن حصلت فستكون شكلية، إلى درجة يمكن للطرف الآخر أن يتعايش معها، ويمرّرها.
مع ذلك، الآن، لا يمكن أيضاً، الاطمئنان إلى أنّ قرار الرئيس الأميركي، بالإحالة على الكونغرس، يعني أنّ الاعتداء على سوريا قد ألغيَ عن جدول الأعمال. إلا أنّه يمكن الاطمئنان إلى أنّ صورة المشهد قد انقلبت وباتت معكوسة: لا اعتداء على سوريا، إلى أن يبيّن الواقع، نقيض ذلك. هذا ما خص امكانات الاعتداء، فماذا عن تقويم الفعل الأميركي ودلالاته، وأيضاً أسبابه؟ كان قرار الاعتداء الأميركي قائماً، والبحث في الإدارة الأميركية كان يتركز، في الساعات الأخيرة، على التوقيت والاهداف وكيفية مواجهة التداعيات والردود «هذا إن حصلت»، بحسب التقديرات الأميركية. لو لم يكن قرار الاعتداء قائماً ومتخذاً، لما قام أوباما بالتسلق إلى أعلى شجرة في واشنطن، وصعّب على نفسه النزول عنها، بلا حبال وبلا سلالم. ما كان حاصلاً هو أنّ الرئيس الأميركي وكبار مسؤولي إدارته، تجاوزوا كل تطوّر في الأيام الاخيرة، كان بإمكانه أن يؤمن لهم تراجعاً شبه مشرّف، إلا أنهم تمسكوا أكثر بمواقفهم وبسقوفهم العالية. كان يمكن لأوباما أن يتراجع ربطاً بالمفاجأة البريطانية لايقاف اندفاعته، أو باستطلاعات الرأي الأميركية الرافضة للاعتداء، وكان بإمكانه التحدث عن ضرورة انتظار نتائج التحقيق الدولي في ريف دمشق، وغيرها من المخارج. القرار بالاعتداء على سوريا كان متخذاً.
اتخذ القرار، ثم جرى التخلي عنه. والقول بوجود تراجع أميركي وحسب، قول يقلص كثيراً من قيمة ما حصل، ويقزّم الدلالات والتداعيات، وقد يضيع فرصة البحث عن الاسباب الحقيقية للانكسار الأميركي، الذي يمكن أن يبنى عليه، لاستشراف الآتي، سواء في سوريا، أو غيرها. ما حصل هو انعطافة حادة، تستوجب البحث في أسبابها، لا في مبرراتها المباشرة التي قيلت لضرورات التسويق والعلاقات العامة، والتي وردت في خطاب أوباما، وأيضاً جرى تردادها في أعقابه، من قبل المحللين والمعلقين، في أميركا وفي خارجها.
هناك فراغ، أو فجوة، بين قرار الاعتداء، والامتناع عنه. فما الذي دفع الأميركي إلى التغيير؟ وهل معادلة ردع ما نشأت، أخطأ الأميركي في تقديرها ابتداءً، وبنى على الخطأ قرار الاعتداء، ومن ثم عاد وفهم الواقع على حقيقته متأخراً، الأمر دفعه إلى فرملة الاعتداء؟ لا يستبعد أن تكون إسرائيل، التي ترسل إشارات خيبة الأمل وتنعت أوباما بالجبن وعدم المسؤولية، هي السبب وراء كل ذلك. ولا يستبعد أن يكون الخوف والخشية على تل أبيب نفسها، وراء كل ما حصل. وإلا مرة ثانية وثالثة، ما من مبرر من أي نوع اخر، كان سيدفع الأميركي إلى الانعطافة، التي حولته من المبادر والمندفع والمسيطر، إلى المهزوم والمنكسر، مع تداعيات سلبية ممتدة على مكانته ومصالحه وحلفائه في المنطقة. الحرب وقعت بين سوريا وحلفائها، وأميركا وحلفائها في المنطقة. انتصرت سوريا، وانهزم أعداؤها، الذين سيسعون إلى التعويض بأسلوب واستراتيجيات أخرى. إلا أن الصراع والحرب لم ينتهيا، بانتظار الآتي، مع أن نتائج الجولة الأخيرة ستكون حاضرة، تنشّط سوريا وحلفاءها أكثر، وتحبط أعداءها، جميعاً، وأكثر.