ريف دمشق | ما إن هدأت ضجّة التهديدات الغربية، بالتدخّل في سوريا، حتى عادت إلى صدارة الأحداث معارك ريف دمشق الأخيرة، التي لم تتوقف منذ إطلاق الجيش السوري عمليّة «درع العاصمة». المواجهات تزداد حدتها وتتسع رقعتها على نحو يومي، إلى درجة باتت فيها تهدّد بنسف كل الجهود المبذولة خلال العامين الماضيين لإنجاز تجارب التسوية والمصالحة الوطنية في مناطق الريف المختلفة، سواء التي بادر إليها الأهالي أو أطراف من الدولة، والتي كانت قد بدأت تنضج موضوعياً مع بداية ظهور المزاج الشعبي الرافض للتسلّح والعنف.


وتبقى المفارقة أن كلاً من طرفي الصراع يسعى، من خلال معارك كهذه، إلى كسب ما يمكن كسبه قبل إنجاز التسوية الكبرى المفترضة في مؤتمر «جنيف 2»، وكأن العنف طريق لا بد منه للوصول إلى حلّ سياسي للأزمة السورية يحقن الدماء.
سلسلة هدنات، وتسوية لم ترَ النور
البيئة الاجتماعية في مدينة الزبداني (45 كم شمالي دمشق) ليست غريبة عن تقاليد العمل السياسي، فتحتوي هذه المدينة الصغيرة على بعثيين وشيوعيين وقوميين سوريين، يضاف إلى ذلك أن هذه المدينة تعدّ معروفة ومنفتحة على كلّ المجتمع السوري، كونها مصيفاً شهيراً على مستوى البلاد. ومنذ بدايات العمل المسلّح في ريف دمشق تشكّلت مجموعة من أعيان المدينة وقواها السياسية، عملت على تهدئة الوضع المتوتر على طول الخط، ولعبت دور صلة الوصل بين الدولة من جهة، وبين المسلّحين من جهة أخرى، فأدارت حواراً غير مباشر بين الطرفين. يروي عدنان التلّ، أحد أعضاء المجموعة، لـ«لأخبار»: «نجحنا في إنجاز ثلاث هدنات خلال الأزمة، لكنها لم تصمد أمام خروقات القوى المتشدّدة في الطرفين، ونحن لم نيأس».
إلا أن العراقيل بدأت تظهر فعلياً منذ شهر، عندما توصّلت المجموعة إلى تحضير لقاء يجمع محافظ ريف دمشق، الذي يرأس لجنة مكلفة حكومياً بإجراء حوار مع مختلف القوى في المعارضة والموالاة، مع مسلّحين في الزبداني؛ وبعدما حصلت المجموعة على موافقة الطرفين، جرى اغتيال عضوين من المجموعة، ماجد تيناوي، رئيس بلدية الزبداني، وغسان الحاج حمّود، وهو ضابط متقاعد من أهالي الزبداني. «جرى الاغتيال في منطقة تابعة لسيطرة المسلّحين، الذين تعهّدوا بمعرفة القاتلين ومحاسبتهم، نحن بدورنا نعتقد أن طرفاً متشدّداً دينياً، تكفيرياً، قد قام باغتيال الشهيدين، والسبب هو رفضهما للحوار المزمع إنجازه» يضيف عدنان التلّ. وبعد مضي أيام الحداد الثلاثة من الحادثة، استأنفت المجموعة جهودها لإنجاز التسوية، بمساعدة أشخاص يعملون في وزارة المصالحة الوطنية، إلا أن تعقّد الوضع بسبب العملية العسكرية الأخيرة في الريف يحول دون مواصلتها العمل.
«الخضوع لله»... والدائرة تتسع
دخلت مناطق جديدة من ريف دمشق على خط المعارك الحامية، فبالإضافة إلى الغوطة الشرقية والغربية وضواحي دمشق الجنوبية، تتطور المعارك سريعاً في الضواحي الشمالية للعاصمة دمشق. ففي قدسيّا بادر «الجيش الحر» الى إطلاق قذائف هاون والهجوم على نقاط تابعة للجيش السوري، قتل خلالها عميد مع مرافقيه، فجاء الردّ قاسياً من خلال ضرب مواقع المسلّحين بالمدفعية وسلاح الجو، وخصوصاً في المنطقة ما بين قدسيّا والضاحية. ويروي خالد عمايري، مقيم في تلك المنطقة، لـ«الأخبار»: «تعرض بيتنا للإصابة بشظايا قذائف الهاون التي أطلقها المسلّحون، ولم نكد نهرب من المنطقة حتى انهالت على الحيّ مختلف أنواع القذائف، من الحر والنظامي». وشهدت الهامة اشتباكات مماثلة هي الأعنف من نوعها منذ انطلاق المعارك، فيما يرى متابعون أنها لن تعود لتهدأ كما حدث في مرات سابقة، بل ستستمر حتى إنهاء وجود المسلحين هناك.
وخلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، انطلقت معارك هي الأعنف من نوعها في منطقة القلمون، فقد أطلقت المعارضة المسلّحة ما سمّتها معركة «الخضوع لله»، فشن «لواء الإسلام» هجوماً على اللواء 81، القريب من الرحيبة، وتمت السيطرة على مدرعات فيه، بحسب مصادر معارضة، في حين يواصل الجيش السوري قصف مواقع المعارضة المسلّحة في الرحيبة من الفوج 14، وقعت خلالها أعداد كبيرة من القتلى والجرحى. واستمر القصف في يبرود، وفي مزارع ريما، وفي مضايا وبقّين، يرافق ذلك على الأرض اشتباكات عنيفة في الريف الشمالي. فيما توالى استهداف مواقع المعارضة المسلحة في المنطقة الجنوبية في داريا والجبل الغربي في الزبداني، وجرت اشتباكات في الكسوة جنوبي العاصمة.
ويواصل الجيش تقدمه البطيء في الغوطة الشرقية، حيث تدور في جوبر اشتباكات جنوب شركة الكهرباء، وشرق «دوار المناشر». ودارت اشتباكات أيضاً في المزارع المحيطة ببلدتي «القاسمية» و«دير سلمان» في الغوطة الشرقية. وبهذا يصبح أكثر من 90% من ريف دمشق تحت النار.
في السياق، تمكّن الجيش السوري من القضاء على نحو 40 مسلحاً تابعاً لـ«جبهة النصرة» عند محاولتهم التسلل إلى الغوطة الشرقية، على طريق الضمير _ عدرا _ ميدعة في ريف دمشق، وفق ما اعترفت به شبكة «شام» المعارضة.