دمشق | يتمتع الدفاع الجوي السوري بأهمية بالغة الدقة في ميزان الربح والخسارة العسكريين. فهذه الدفاعات التي اكتسبت عناية ورعاية من نوع خاص، يُجمع المحللون العسكريون على أنّ الفضل في أهميتها العسكرية وتقدمها على صعيد الإقليم ودول الجوار يعود إلى عاملين بارزين اثنين. أوّلهما، العلاقات التاريخية الوطيدة ما بين سوريا والاتحاد السوفياتي سابقاً، وهذا ما انعكس في تطور الأداء العسكري للجمهورية العربية السورية بعيد استقلالها، ليس على مستوى الدفاع الجوي فحسب، بل حتى على مستوى المدرعات والمدفعية وسلاح الجو والدفاع البحري أيضاً.


وثانيهما، هو عدم قطع صلة الوصل ما بين القيادتين، حتى بعد أن انهيار الاتحاد السوفياتي، وهذا ما أمّن لسوريا استمرارية وديمومة أكبر في مسيرة التطور العسكري التي خاضتها المؤسسة العسكرية السورية. وتكمن أهمية الدفاعات الجوية المتقدمة التي يملكها الجيش السوري في أنها تمثِّل هاجساً حقيقياً في مجمل حسابات الجيش الصهيوني الذي يعتمد، تاريخياً، وبنحو كبير، على تقدمه في مجال سلاح الجوّ، ما جعله يدرك المعادلة جيداً: أيُّ تقدم لمحور المقاومة على صعيد الدفاع الجوي سيساهم في ترسيخ واقع سقوط أسطورة «الجيش الذي لا يُقهَر» وتجذّره أكثر. وبناءً على ذلك بدت المهمة الأولى ماثلة أمام الجيش الصهيوني واستخباراته العسكرية في البحث عن سبل إضعاف مكامن قوة الدفاع الجوي التي يمتلكها هذا المحور.
وفي الوضع السوري، استثمر الكيان الصهيوني حالة النزاع العسكري الداخلي، وتوافر القدرة لديه لاختراق المجموعات المسلحة التي تفتقر إلى الدعم، والجاهزة بالتالي لتنفيذ أجندته في الساحة السورية، كما حصل في قاعدة «مرج السلطان» العسكرية.

لماذا «مرج السلطان»؟

على بعد 18 كيلومتراً من مركز العاصمة السورية دمشق، وباتجاه ريفها الشرقي، تتمركز قاعدة «مرج السلطان» العسكرية التي كانت تابعة سابقاً للواء 82 (لواء الاستطلاع الجوي). وقد جرى العمل منذ مطلع الثمانينيات على تطوير أداء هذه القاعدة، لتتحول بعد ذلك إلى قاعدة رئيسية ومحطة رادارات متقدمة. فيكفي أن تحلق أي طائرة صهيونية في النقب فقط على علو 150 متراً فوق سطح البحر، ليتمكن رادار «مرج السلطان» من التقاطها ومراقبة حركتها. وليس هذا بالغريب إذا ما قورن بقدرة رادارَي هذه القاعدة على المسح الراداري وصولاً إلى مدينة تبوك (شمال السعودية)، وقناة السويس في مصر، حتى جزيرة قبرص. إلا أن هذه القاعدة كانت عرضة للتخريب على أيدي مسلحي المعارضة السورية من «لواء الإسلام» التابعين لـ«الجيش السوري الحر» في نهاية العام المنصرم.
حتى إنه ذهبت بعض وسائل الإعلام إلى الترويج أن المنطقة الجنوبية كاملةً قد أصبحت عمياء رادارياً عن رصد الأهداف الصهيونية. «يتعامل البعض مع هذه الحادثة كأنها إحدى الهفوات العفوية الناتجة من قلة إدراك المسلحين. هذا الكلام باطل، لقد كانوا على علم بما يقومون به، تقصّدوا تخريب الرادرات وتحطيمها كلياً بعد أن لقنتهم أجهزة الاستخبارات الصهيونية ذلك»، يؤكد أمجد الحمصي، أحد الشباب المقيمين في القرية يوم اقتحام القاعدة. ويعقب في حديثه مع «الأخبار»: «هذه قاعدة تابعة للدفاع الجوي. بماذا تضر عمل المسلحين على الأرض؟ هل لديهم طائرات يخشون سقوطها أو مراقبتها؟! ليست القصة بهذه السذاجة، هي مفهومة ومدفوعٌ ثمنها مسبقاً، إما خدمة للعدو وإما تعلقاً بفكرة تشريع ضرب كل شيء سوري بحجة أنه ملكٌ للنظام، من الأفران وصولاً إلى الدفاعات الجوية». وفي الحرب السورية، لم تكن «مرج السلطان» وحدها في دائرة الاستهداف، بل طالت اعتداءات المسلحين قواعد عدة ومراكز عسكرية أخرى في سوريا.
إلا أنّ جملة الاستهدافات هذه لم تستطع أن تحقق الهدف الصهيوني، المتجسّد في كسر قوة الدفاعات الجوية السورية، إذ يرى أحد المصادر المقربة من المؤسسة العسكرية، والذي فضّل عدم الكشف عن هويته، في حديثه إلى «الأخبار» أنه: «لا خوف على دفاعاتنا الجوية أبداً، وما أثير عن أهمية قاعدة مرج السلطان لا يضاهي برأيي نصف الأهمية التي تكتسيها تلك القواعد والرادارات التي لا يعلم عنها أحد سوى الدائرة الضيقة في قيادة القوات المسلحة السورية. فمن المتوقع أن تكون هناك أجهزة رادارات صينية الصنع ومتفوقة بالمعنى العسكري يمتلكها الجيش السوري. وأعتقد أن منظومة الدفاع الجوي التي في حوزة سوريا قد أدت دوراً رئيساً في ما يخص احتمالات الضربة الأميركية أخيراً، فكان لها تأثيرها المباشر على التردد الأمريكي. أؤكد أن الدفاعات الجوية السورية قادرة على كسر شوكة المعتدي في الجو». ويكمل: «إن الشيء الأساسي الذي يربك المتربصين بسوريا هو المستوى العالي من النجاح في سياسة السرية التي تضفيها قيادة الجيش على الإجراءات الجديدة والتطويرات وكل تفاصيل عمليات التسليح. وهذا إذا أردنا أن ندرك أسباب نجاحه، فبرأيي أن حجم المركزية المرتفعة في امتلاك المعلومة العسكرية واتخاذ الإجراءات بناءً عليها هما السبب الرئيس في ذلك».
إلى هنا، يبدو أن كل رهان الغرب والعدو الصهيوني على مدى قدرة أدواتهم في الداخل السوري على تحقيق الأهداف غير المعلن عنها قد باء بالفشل، وبات العمل على إنجازها مرهوناً بتدخل الأصيل لحل أزماته بنفسه، لا سيما أن معاناة الوكيل تتفاقم اليوم، بسبب الفرز الناشئ في صفوف المسلحين منذ أن بدأ السوريون يشهدون المعارك الدائرة بين المسلحين السوريين من جهة، وأولئك التكفيريين القادمين من الخارج، ومن بحكمهم في الداخل، من جهة أخرى.