تونس | لم يستطع تصريح وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي تخفيف الغضب والحنق اللذين يحملهما قسم كبير من التونسيين ضد نظام الترويكا الذي كان أول نظام عربي يقطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا ويطرد سفيرها ويستضيف «أصدقاء سوريا». وهو ما فتح الباب للتجييش والتحريض على النظام السوري الذي يواجه منذ أكثر من عامين هجمة أميركية صهيونية مموّلة من قطر والسعودية لتدمير الدولة وتفكيك الجيش العربي السوري الذي يشكل قوة إقليمية تهدد إسرائيل. التونسيون لن ينسوا أن عهد الترويكا حوّل تونس إلى المصدر الأول للإرهاب في سوريا من خلال «المجاهدين» و«مجاهدات النكاح» الذين وصل عددهم إلى أكثر من ثلاثة آلاف، غالبيتهم شبان فقراء تم التغرير بهم من جمعيات خيرية في ظاهرها وإرهابية في طبيعة عملها، وقد حظيت هذه الجمعيات بغطاء سياسي من السلطة، وخاصة من حركة النهضة المهيمنة على الائتلاف الحاكم.

لقد ساند التونسيون «الثورة» السورية عندما انطلقت في شهر آذار ٢٠١١، لكن هذه المساندة سريعاً ما تراجعت بعد أن تحولت «الثورة» السلمية الى حرب مدعومة من دول لا علاقة لها بالديموقراطية تستهدف سوريا وتماسك الدولة.
لهذا بادر نشطاء تونسيون الى تأسيس تنسيقية للدفاع عن سوريا ضد «الهجمة الصهيونية الأميركية المموّلة من الرجعية العربية والمدعومة من مجموعات الإسلام السياسي».

انطفاء بريق الديموقراطية

وبسرعة انطفأ بريق الديموقراطية وحقوق الإنسان، اللتين بشرت بهما «الثورة» السورية في بداياتها، ليتحول موقف غالبية مكونات المجتمع المدني التونسي الى إدانة لما يحدث في سوريا واعتباره إرهاباً مدعوماً دولياً وخاصة من «أصدقاء سوريا» الذين استضافتهم «تونس الثورة» ليشكلوا حزاماً يضم المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسرائيل، وذلك لتقويض الدولة السورية وتحويلها الى عراق جديد تحت ذريعة نشر الديمقراطية.
هذا الحراك تحول الى أشكال عدة، من بينها تأسيس جمعيات تُعنى بالعائلات التي تم تجنيد أبنائها للقتال ضد النظام السوري باسم «الجهاد»، وتم تنظيم تظاهرات ولقاءات فكرية وثقافية دفاعاً عن سوريا، وتحول دعم سوريا الى إدانة ضمنية لنظام الترويكا الذي اعتدى على التقاليد الدبلوماسية التي عُرِفت بها تونس، وأساسها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

صمت الترويكا

مع ارتفاع نسق الاستعدادات الأميركية للعدوان على سوريا، نسي التونسيون شأنهم المحلي وانخرطوا في مساندة تلقائية للنظام والشعب السوريين، ولم يغب عن هذه المساندة إلا «الترويكا»، إذ صمتت الأحزاب الثلاثة الحاكمة عن إصدار أي بيان رسمي بعد أن ساندت «ائتلاف المعارضة السورية». فالتدخل الأميركي في سوريا سيشكّل حرجاً كبيراً للحكام الجدد لتونس الذين وإن لم يأتوا على دبابات على طريقة حكام العراق بعد سقوط النظام البعثي، إلا أنهم لن يختلفوا عنهم كثيراً إذا ساندوا أي عمل عسكري يستهدف سوريا.
سوريا التي فتحت أبوابها لآلاف الطلبة والتلاميذ التونسيين الذين لا يزالون يواصلون تعليمهم في الجامعات والمعاهد السورية منذ أواخر الخمسينيات، ومنهم عدد كبير عادوا الى تونس بعد أن تزوجوا بسوريات وأنجبوا أبناءً وبنات منهن.
الشارع التونسي اليوم يشعر أن مساندة الترويكا الحاكمة لما يسمى المعارضة السورية الممولة من قطر والسعودية هي فضيحة حقيقية وخيبة أمل بـ«الثورة» التي اعتقدوا أنها ستحقق لهم الكرامة والحرية وتحافظ على الاستقلال الوطني. وذهب عدد من الناشطين الى حد مقاضاة الرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي، على اعتبار أنه المسؤول الأول عن أفواج الشبان الذين سافروا للقتال في سوريا.
تفاعل هذا الاحتقان في الشارع التونسي كان من الطبيعي أن ينعكس على الأحزاب السياسية. وإذا استثنينا حزبي «المؤتمر من أجل الجمهورية» و«النهضة» بعد صمتهما على التدخل الأميركي المنتظر في سوريا، فإن كل الأحزاب التونسية تقريباً أدانت هذا التدخل، بما فيها حزب «التكتل من أجل العمل والحريات» المشارك في الحكم.
التكتل لم يصدر أي بيان رسمي، لكن الناطق الرسمي باسمه محمد بالنور قال لـ«الأخبار» إن التكتل يرى أن الشعب السوري هو المستهدف من أي عملية عسكرية وليس النظام. ورأى بالنور أن إصرار الإدارة الأميركية على توجيه ضربة عسكرية لسوريا قبل صدور التقرير النهائي للجنة خبراء الأمم المتحدة حول استعمال الأسلحة الكيميائية يكشف أن هناك خلفيات أخرى غير ما أعلنته الإدارة الأميركية وتعمل على تسويقه.
أما عضو المكتب التنفيذي لحركة نداء تونس المعارضة بوجمعة الرميلي فقال لـ«الأخبار»: «إن التحرشات التي تقوم بها الإدارة الأميركية ضد سوريا، والتي لا تملك أي شرعية دولية قانونية، هي باطلة أصلاً. ثم إن البرلمانات الأوروبية لها تحفظات إن لم تكن رافضة للتدخل، وثالثاً أي عملية عسكرية لن تقدم أي خطوة بل ستزيد الوضع تعقيداً، ويمكن أن تفجر المنطقة ولا أحد يعرف ما هي نتائج هذه العملية». وأضاف الرميلي «مستقبل سوريا ليس محكوماً بالديكتاتورية أو الفتنة، فالحل السياسي ممكن، وسوريا تستحق أفضل مما يخطط لها. ورغم الطابع اللاديموقراطي ونظام الحكم الاستبدادي، يجب ألا ننسى أن هذا النظام يعادي الصهيونية والاستعمار، وبالتالي هذه التحركات ليست بريئة وأهدافها معروفة ومفضوحة. ولا ننسى أن الولايات المتحدة تستهدف روسيا والصين وإيران، ولها أهداف جيو استراتيجية أخرى.
في السياق نفسه، قال عضو المكتب السياسي لحركة الشعب (ناصريون) الذي استقال قبل يومين، مبروك كورشيد، إن «الشارع العربي فقط بإمكانه أن يمنع الاعتداء الأميركي على سوريا». ورأى أن السعودية تعمل على ابتزاز مصر على خلفية موقفها من 30 يونيو» لتدفعها إلى مساندة حربها على النظام السوري، بينما وقفت ضد العدوان دول مثل ألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا، وهو ما يمكن أن يوقف العدوان على سوريا. أما عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي (وسط اليسار) نوفل الزيادي، فرأى أن المعركة في سوريا لا علاقة لها بالديموقراطية. «فالدول التي تموّل هذه الحرب وتجنّد الشبان الفقراء لا علاقة لها بالديموقراطية». وقال إن سوريا مستهدفة في إطار إعادة صياغة للمنطقة العربية، والهدف أساساً هو تفكيك الدولة السورية وزرع الفتنة وخلق حرب أهلية لخدمة المشروع الاستعماري.

مع سوريا دائماً وأبداً

الشارع التونسي الذي خرج في تظاهرات حاشدة في أغلب المدن رافعاً العلم الوطني السوري ومندداً بالتدخل الأميركي ــ الإسرائيلي والتنظيمات الإسلامية، يدرك جيداً أن الحرب على سوريا ليس هدفها تنمية الديموقراطية ولا الدفاع عن حقوق الإنسان، بل هي حلقة أخرى من حلقات استهداف الدول العربية وإعادة تقسيمها. «مع سوريا دائماً وأبداً»، ذلك شعار يردده القسم الأكبر من الشارع التونسي الذي لم يعد يرى في التنظيمات الإسلامية، بعد فضح دورها الإجرامي في سوريا، إلا طابوراً خامساً يسعى الى مواصلة دور الإخوان المسلمين الذين أعاقوا جمال عبد الناصر خلال توليه رئاسة مصر (1952 _ 1970) وحاولوا اغتياله خدمة للمشروع الاستعماري الذي لا يقبل ظهور أي تيار وطني يعمل من أجل الحرية. لا يتحمس التونسيون كثيراً للنظام السوري، لكنهم تحولوا الى أكبر مساند له في حربه مع الإرهابيين والقتلة من منتجات «بول البعير» و«جهاد النكاح».