بحثت عبثاً من حولي في لبنان عن شخص يمكن أن يكون سمع بـ… وايومنغ. حتى المغرمون بـ«الحلم الأميركي» لم يسمعوا بها. صديقٌ مدمنٌ مشاهدة الأفلام الوثائقية تذكّر الاسم، لكنّه لم يستطع أن يذهب أبعد من ذلك. أحد كبار الصحافيين نبشه من الذاكرة، من مسلسل «دالاس» تحديداً. وايومنغ عنده صنو «بوبي» و«جي آر» وخياناتهما. في الحقيقة وايومنغ ليست سوى ولاية أميركية. واحدة من تلك الولايات ذات الحدود المستقيمة. خريطتها أشبه بالمستطيل. كأن من أوجدها لم يكلّف نفسه عناء العثور على أي عناصر جغرافيّة أو ديموغرافيّة لترسيم الحدود، بل اكتفى بأن خطّ «بالقلم والمسطرة» مستطيلاً، ثم سمّاه وايومنغ.


لا هم. وايومنغ ولاية أميركية. هي أقل الولايات تعداداً للسكان (نحو 570 ألف نسمة يعيشون في مساحة أكبر بـ 24 مرّة من مساحة لبنان). لكن لها ـــ كسواها من الولايات ـــ ممثلان في مجلس الشيوخ. أحد هؤلاء هو مايك إنزي. يصنّف الرجل كأحد أكثر المحافظين الأميركيين تشدداً. ليس له مواقف بارزة في السياسة الخارجية، باستثناء تأييده غزو العراق عام 2003، ثم معارضته وضع جدول زمني لسحب جيش الاحتلال الأميركي من بلاد الرافدين. وكغيره من عتاة اليمين، رفض إنزي بحزم منح المزيد من الحقوق لمعتقلي غونتانامو.
داخلياً، يمارس الرجل بفخر فعل الفساد المسمّى تمويل الحملات الانتخابية. يتلقى الأموال من تجمعات صناعة الأدوية، ويعارض خطة باراك أوباما للضمان الصحي. في الدورة الانتخابية الأخيرة (2008)، حصد نحو 189 ألف صوت، أي ما نسبته 75 في المئة من المقترعين في وايومنغ. نسبة قياسية للرجل الذي بنى شعبيته في الولاية على برنامج انتخابي «مهمّ» قوامه... معارضة تشريع ألعاب القمار.
يمكن القول، بلا تردد، إنه مثال لأعضاء الكونغرس الذين ينتهي عندهم العالم عند حدود الولايات المتحدة، ولا يعرفون أي شيء يحدث خارجها. بعضهم فاز لأنه يعارض الإجهاض، والبعض الآخر لأنه يعارض زواج المثليين، وبعض ثالث بسبب مطالبته بخفض الضرائب على تجارة التبغ بين الولايات، ورابع لدعمه تشريع الماريغوانا... وقس على ذلك.
بعد وصولهم إلى الكونغرس، يصبح هؤلاء أسياد العالم: يعاقبون شعباً. يصدرون قرار العفو عن آخر. يدمّرون العراق. يتجاوزون خطايا الحلفاء. ويمنحون الرئيس ــــ الإله حق تقرير مصير البشرية.
يوم أحال باراك أوباما قرار العدوان على سوريا على الكونغرس، علّق صحافي أميركي على تويتر قائلاً: سيلجأ أعضاء الكونغرس إلى الخرائط بحثاً عن بلد اسمه سوريا.
العزيز مايك إنزي هو أحد هؤلاء الذين يمكن أن نصفهم بـ«أسياد العالم». قبل أيام، بادر السيناتور إنزي إلى وصف أداء رئيس الولايات المتحدة في بلاد الشام، بـ«المتردد». أتى ذلك في سياق الحملة الانتخابية التي يتبارز فيها مع ابنة ديك تشيني، ما غيره. جلّ ما يطمح إليه صديقنا مايك، هو الفوز مجدداً بأكثريّة الأصوات في وايومنغ. كل همّه متركز هناك، بعيداً، بعيداً جدّاً عن بلاد الشام. لكنه، على هامش حملته الانتخابية، سيقرر مصيري ومصير أهلي وأصدقائي، ومصير عشرات ملايين النساء والرجال الذين لا يعرف عنهم شيئاً، أولئك القاطنين في هذه المنطقة. مستقبلنا جميعاً يسعى إلى رسمه مقامر اسمه جون ماكين، ومعارض للقمار اسمه مايك إنزي. إنزي، سيناتور وايومنغ، ذلك المستطيل المجهول.
عزيزي مايك، أجسادنا ليست «فِيَش» بوكر.