السويداء | مرت مسيرة توتر العلاقات بين الحكومتين السورية والأردنية بمحطات عدة. فمنذ اللحظات الأولى لعسكرة التظاهرات المعارضة في سوريا، لعبت الحكومة الأردنية دوراً بارزاً وواضحاً في تسهيل مرور أعداد ضخمة من المسلحين العرب والأجانب، بالإضافة إلى كميات كبيرة من السلاح والعتاد الحربي إلى الأراضي السورية؛ حيثُ أمّن الأردن إغراق المنطقة الجنوبية السورية بالسلاح، في مقابل المنطقة الشمالية التي تكفلت الحكومة التركية بتغطيتها. وهذا ما وضع الحكومة السورية أمام مهمة التصرف السريع إزاء تفلت الأمور على الجبهة الجنوبية من عقالها، حيث سارعت الحكومة إلى العمل على مستويين اثنين. ففي الميدان، تصدت المؤسسة العسكرية مباشرة للمسلحين الذين حاولوا التسلل من الحدود السورية ـــ الأردنية باتجاه محافظة درعا، وفي السياسة، ارتفعت نبرة دمشق شيئاً فشيئاً بوجه جارتها الجنوبية. في البداية، أوفدت الحكومة عدداً من مسؤوليها، الدبلوماسيين السياسيين والعسكريين، لملاقاة الطرف الأردني، ووضعه بصورة مجمل الخروقات التي سجلتها القيادة العسكرية السورية في المنطقة الجنوبية، إلا أن هذا السبيل لم يغير من فوضى الحدود والتسلل شيئاً، حيث لم يهرع الأردن إلى اتخاذ خطوات جدية من شأنها ضبط حدوده الشمالية، وباتت المماطلة في الوقت تزيد من أعداد الصواريخ التي تصل من السعودية، وغيرها، إلى مسلحي المعارضة السورية عبر الحدود الأردنية، فمالت الكفة عند أصحاب القرار السوري نحو التعامل العسكري الصرف في الميدان، على حساب عدم إمكانية التفاهمات السياسية ما بين الطرفين. وقد تصاعدت حدة التصريحات الدبلوماسية السورية حتى وصلت الى حدّ التهديد، على لسان نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، بالرد العسكري المباشر على الأردن وتركيا، في حال كانت أراضيهما منطلقاً للمشاركة في العدوان الغربي على سوريا، ولا سيما بعد انتشار الأخبار حول اكتمال المرحلة الثالثة والأخيرة من تدريب أميركا لما يقارب 1500 إلى 2000 مقاتل «كوماندوس» سوري في الأراضي الأردنية، والذين سيكونون، حسب ما أشيع، على أهبة الاستعداد للتسلل، عبر الحدود الجنوبية، نحو العاصمة دمشق، والسيطرة عليها ما إن تحزم الولايات المتحدة الأميركية أمرها في إطلاق شارة البدء لضربتها العسكرية المرتقبة. وهذا ما جعل من مهمة تأمين العاصمة من تداعيات مثل هذا السيناريو مهمةً ملحة على عاتق الحكومة السورية والجيش السوري.


خَطّا دفاع لتأمين دمشق

تفتح الحدود الأردنية على محافظتي الجنوب السوري، السويداء (شرقاً) ودرعا (غرباً). ويمكن تقسيم الخط الحدودي مع الأردن إلى قسمين رئيسيين، أولهما، وهو الممتد من غربي السويداء نحو الشمال الشرقي حتى جبل التنف (نقطة التلاقي الحدودية بين سوريا والعراق والأردن). ومن المستبعد أن يتم اتخاذه معبراً لتسلل هؤلاء المسلحين، نظراً إلى طبيعة المنطقة الجبلية، وابتعاد هذا المسار عن دمشق، والانتماءات السياسية للسكان، الموالين بأغلبيتهم، والسيطرة شبه المطلقة للجيش السوري على المنطقة، ما يجعل من اتخاذ هذا الطريق خطوة بمثابة الانتحار للمتسللين. أما القسم الثاني، الممتد من شرقي محافظة درعا نحو الغرب عند معبر «الدبوسية»، فيبدو هو المسلك الإجباري للمسلحين، إلا أن عوامل موضوعية عدة تحول دون الارتياح المطلق لاستخدام هذا الطريق.
وفي حديثه إلى «الأخبار»، يؤكد مصدر عسكري سوري في المنطقة الجنوبية أنّه «حتى السيناريو الثاني نتعامل معه بحزم، ولا يقلقنا أبداً. ما أستطيع تأكيده هو أن هؤلاء المسلحين، مهما كانت المهارة القتالية التي يتمتعون بها والتدريب الذي تلقّوه، لن يدخلوا دمشق مهما حاولوا ذلك»، حيث يشير إلى أن الجيش قد أحكم السيطرة، خلال الفترات الماضية، على مناطق سعسع ـــ الحارّة ـــ بصرى الشام، ليشكِّل بذلك خط الدفاع الأول عن دمشق. أما خطة الدفاع الثانية، حسب المصدر، فهي إحكام الطوق حول العاصمة، عبر استكمال السيطرة على مناطق الغوطتين الشرقية والغربية، لتصبح بعدها نصف الدائرة المحيطة بالعاصمة من الجنوب تحت السيطرة الكاملة للجيش السوري، فيما تستكمل قواته عملياتها لتأمين نصف الدائرة الشمالي للعاصمة. «سيكون الطريق نحو دمشق مغلقاً أمامهم من كل الجهات. فالقوات المسلحة قد طوقتها بدائرة نارية تتمتع بالصلابة الكافية، وبهذا، لم يعد بوسعهم إلا أن تؤمّن لهم الطائرات الحربية الأميركية هبوطاً مظلياً في ساحة الأمويين!»، يروي المصدر. ويضيف: «سيناريو اقتحام دمشق قد يكون صالحاً قبل العمليات الأخيرة التي نفذها الجيش. أما اليوم، فهم عاجزون بالمطلق عن تحقيقه. أعتقد أن إثارة القصة اليوم ما هي إلا للتهويل الإعلامي ورفع معنويات المسلحين الموجودين في سوريا، والذين باتوا يعانون اليوم من الهزائم المتلاحقة التي تتكبدها فصائلهم على الأرض».
وإضافة إلى خطة الجيش، سيعاني مسلحو «الكوماندوس» من الضعف الواضح في التنسيق مع الكتائب والألوية المعارضة الموجودة في محافظة درعا، فإذا ما اختاروا هذا الطريق سيواجهون خطر كثرة الفصائل المعارضة من جهة، ومن جهة أخرى اختلاف أمزجة عناصرها بعضها عن بعض، ففي درعا وحدها هناك ألوية «المعتز بالله، فلوجة حوران، اليرموك، توحيد الجنوب، المهمات الخاصة ... إلخ) وكتائب «عبّاد الله، القادسية، أحباب الرسول، شهداء حوران ...)، والتي لا يمكن التنبؤ بمسار حركتها فيما لو استخدم مسلحو «الكوماندوس» الأراضي التي تسيطر عليها ممراً للعبور. فهي مختلفة التوجهات ما بين الإسلامية والأجنبية والمطلبية والثأرية منها.
ميدانياً، يسيطر الجيش السوري على درعا المدينة ودرعا المحطة، في ريف المحافظة، سيطرة كاملة. بينما تواصل قواته المسلحة قصف معاقل المسلحين في منطقتي اليادودة والنعيمة (بالقرب من مركز المحافظة) ومعبر «نصيب» الحدودي، المعبر الثاني من حيث عدد المتسللين إلى سوريا، بعد معبر باب الهوى عند الحدود التركية. ويعزز الجيش من عديده على الجانب الشرقي لمدينة إنخل، تمهيداً لاستكمال تمشيط المنطقة من جيوب المسلحين المحصنين فيها. وكذلك يستمر تقدّم الجيش على محور درعا البلد، وبصرى الشام، التي لا تنتظم الاشتباكات فيها، حيث يقوم المسلحون بمحاولات متقطعة وسريعة سعياً منهم لإضعاف مكامن قوة الجيش فيها.