القصير | مطالب الأهالي العائدين إلى مدينة القصير، العائدة بدورها إلى حضن الدولة السورية، لا تنتهي. فالمواطنون وجدوا أنفسهم فجأة مطالبين بالبدء من الصفر لتأسيس بيوتهم وحياتهم، ونسيان ما مرّ بهم من نكبات اجتماعية ونفسية وعائلية ووطنية. التهديدات الأميركية للبلاد لم تعنِ لأهالي القصير شيئاً، وهم الذين ذاقوا الأمرّين حتى استطاعوا العودة إلى مدينتهم المهدّمة. «لن تضرب أميركا القصير»، يقول أحد المواطنين مبتسماً. لا ينقص القصير بالنسبة إليه دمار جديد، ولا سيّما أنها نالت حصتها الكبيرة، ولم يعد في المحيط ما يخيف، ولن يتهدّد مبانيها المتهالكة شيء بعد الآن. كل ما يعنيهم أن يستطيعوا البدء، وأن تكون الدولة قوية قادرة على النهوض بأعبائها ومسؤولياتها تجاههم. هذا وجه الخوف الوحيد بالنسبة إليهم ممّا يتهدّد البلاد. ومع الخوف على المدينة، يتنامى الخوف لديهم على البلاد ككُل، بعدما ذاقوا لوعة أوجاع الأوطان وشهدوها من كل زواياها، فتغيّرت حياتهم مرة واحدة وإلى الأبد. الوجوه الكالحة تغيّرت قليلاً، إلا أن شظف العيش لمن كان مرتاحاً مادياً هو أول ما يقلق الحياة اليومية. الأمر سيكلّفهم الكثير من الجهد والمال والأعصاب. لا بيت في المدينة لم يفقد عزيزاً، مثَل المدينة كمثَل الأرض السورية جميعها. تختلف القصير اليوم عن معالمها في أي زيارة خلال مرحلة سابقة، حيث عادت الحياة إلى شوارعها متجسدة بخطوات سكّان هجروها سابقاً، ورجعوا يلملمون بقايا الحياة في هوائها وعلى جدرانها المتهدمة. هُنا تجد المحامي الذي تهدم مكتبه يضع كرسياً متواضعاً ويجلس عند الباب، مُعلناً عودته اليائسة، ليقول رغم كل الخسارات الفادحة: «ما زلتُ هُنا». الحيّ المسيحي المواجه للكنيسة يبدو وقد ذهبت وحشته بعودة معظم سكانه. الأمان المخيّم على الحي اليوم شجّع أهله على وضع لافتة كبيرة وضعوا عليها صور شهداء من الحي ينتمون إلى آل كاسوحة. للمرة الأولى استطاع هؤلاء الناس المجاهرة بمن فقدوا خلال الأحداث الأليمة التي مر بها الحي. الشهداء الثلاثة يتجسدون في صور عملاقة تبدو خلفها صورة الكنيسة المتضررة جرّاء القذائف والرصاص. نساء متشحات بالسواد يخرجن من الكنيسة باكيات. مشهدهن في خضم محاولات النهوض بالحياة داخل المدينة، مثير للجدل. ولا بدّ هُنا من التوقف والسؤال: «هل من خطب؟!»، ليأتي الجواب مطمئناً، إنما بصوت لا يخلو من الفجيعة: «إنها ذكرى مضي نصف سنة على استشهاد قريبهن». الكثير من المعاناة سيمرّ بها أبناء القصير مع كل خطوة يخطونها داخل البلدة، وأمام هذا الخراب الموجع الذي ينتفي معه أي إحساس بذكريات الطفولة والمراهقة لرجال ونساء لم يملكوا في حياتهم من رحلات وأسفار سوى هذه مسيرهم الطرق المتواضعة. البداية صعبة بالنسبة إلى أهالي الحي، وتحتاج إلى إرادة عالية لا تنقصهم، هم الذين سئموا النزوح وعادوا إلى بيوت فقدت أجزاء من جدرانها، وخاوية من أثاثها. نساء يبدأن بتنظيف منازلهن من الحجارة المتناثرة، بمساعدة الرجال. امرأة هُناك افتتحت دكّانها القديم وبدأت ببيع بعض المواد البسيطة التي تلزم السكان العائدين. عجوز تجلس في صحن الدار المنكوب، والذي تحول بعد الدمار إلى مدخل متهدم لبيتها. الابتسامة على وجهها تبدو تعجيزية؛ من أين أتت كل هذه الوداعة أمام المشاهد المؤلمة من حولها! شابّة تقف مع ذويها تنظر إلى الغرباء الزائرين للبلدة، تجاهر بحملها البندقية التي تستخدمها العائلة للدفاع عن النفس في منطقة لا يزال أبناؤها غير مصدقين أن حقبة الدم ولّت إلى غير رجعة. الجيران يلتفون حول بعضهم في ساحة صغيرة بين بيوتهم المتجاورة، لحلّ بعض المشاكل العالقة. ما زالت مشكلة المياه أبرز ما يعانونه. تراهم يقتصدون في استخدام الماء الذي توفره لهم بلدية القصير عبر صهريج وحيد يسعون لتوفير آخر بمساعدة محافظة حمص. رئيسة بلدية القصير شذا مراد، شابة محجّبة نشيطة تبذل مجهوداً مضاعفاً لإرضاء السكان الحاليين وجذب الباقين منهم إلى العودة لإحياء مدينتهم. قُبيل زيارة محافظ حمص للقصير بدت رئيسة البلدية متوترة قليلاً. لسان حالها يقول: إرضاء الجميع غاية لا تُدرك، وتذمّرت من توعّد بعض المواطنين بتقديم شكاوى للمحافظ. تقول المرأة: «فعلتُ كل ما أستطيعه في ظل المُتاح».

الدولة السورية تحاول جهدها في مساعدة المواطنين على العودة وإعادة تصليح ما يمكن إصلاحه من منازلهم. رئيسة البلدية تحمل قوائم بأسماء أصحاب البيوت المتضررة، وتترقب بقلق آلية توزيعها على أول دفعة من السكان يتم التعويض لها بمقدار 100 ألف لكل عائلة. يبدو المبلغ زهيداً نظراً إلى شخص خسر بيته ويحاول البدء من جديد، إلا أن محافظة حمص تعتبره بمثابة دفعة أولى على طريق إعادة الإعمار الشامل. زيارة محافظ حمص كان لا بدّ منها إلى المدينة المنكوبة. سكان البيوت المهدمة يجلسون أمامها ساهين، بينما يمر المحافظ طلال البرازي بينهم، يصافحهم ويزوّدهم فريقه بالإيصالات اللازمة للتوقيع على قبض المبالغ المالية المقدّمة، وتقديمها لهم في ذات اللحظة. الأسلوب المباشر في إيصال التعويضات إلى أصحابها غريب عن أجواء المواطنين السوريين الذين غالباً ما يغرقون في روتين الدولة وبيروقراطيتها، غير أن البرازي يؤكد أن هذه الخطوة الفورية نابعةٌ من توجيهات الرئيس السوري بشار الأسد. ووجّه المحافظ بتقديم التسهيلات للمواطنين من خلال اعتماد أي وثيقة تثبت ملكية العقار المتضرر في عملية تقديم الطلبات للحصول على التعويضات مع تعهد المواطنين باستكمال أوراق ثبوت الملكية لاحقاً.




مياه ومدارس وخبز

وأمام الوضع السيئ لخدمات المياه في المدينة إثر سيطرة المسلحين لفترة طويلة على نبع «عين التنور» الحيوي، الذي استرجعه الجيش السوري في معارك ريف القصير، ما زالت أعمال تأهيل شبكات المياه المتضررة جارية على قدم وساق. حل مشكلة المياه، موقتاً، جاء من خلال طرح المشكلة على المحافظ الذي وجّه بزيادة صهريج إضافي كمخرج آني لأزمة السكان العائدين. أزمات عديدة يطرحها الأهالي على زوار مدينتهم، ولم يغفلوا الحديث عنها خلال زيارة المحافظ الأخيرة للقصير. فالمدارس على الأبواب ولا بدّ من تجهيز المجمّع التربوي وترميم ما يمكن ترميمه فيه في محاولة لاستقبال الطلاب بشكل مبدئي دون أي وثيقة، إذ يتم بذلك إعطاء الفرص اللازمة لأهالي الطلاب، بهدف استكمال وثائق أبنائهم المفقودة خلال الأحداث الدامية التي دمرت بيوتهم بما فيها.
مشهد عودة المخبز الآلي إلى العمل هو أبرز المظاهر جمالية في ظل الأسوَد الذي يغلّف كل شيء، حيث تشي عيون الناس الخارجين منه يحملون خبزهم بالكثير من وعود الحياة لهم بغدٍ فضل. فالخبز وحده يرسّخ معنى الاستمرار الحقيقي لدى المواطنين الحالمين بمستقبل أكثر أمناً واستقراراً من الماضي القريب الذي أرخى بظلاله على كل المظاهر الجامدة في المدينة. الوعود كبيرة من الدولة بقدر آمال السكان بإعادة افتتاح مركز «عمران» وتزويده بالمواد الأساسية للبناء، بالإضافة إلى قرب إعادة افتتاح محطة «الشعلة» لتزويد المواطنين بالوقود لتسهيل تحركاتهم وخدمةً لأمور يومياتهم. وهُنا يبدو التحدّي كبيراً بالنسبة إلى المواطنين والدولة بذات الدرجة لمغالبة الواقع الصعب لمدينة مثيرة للجدل شغلت الإعلام العالمي وتوجّهت إليها الأنظار لفترة غير قصيرة.