في ظل صدام دبلوماسي أميركي روسي نجحت في خلاله روسيا في التصدي لمحاولة استصدار قرار دولي بحق سوريا تحت الفصل السابع، بات واضحاً أن مسودته الفرنسية غير قابلة للحياة، يخوض وزير الخارجية الأميركية جون كيري، في جنيف وبدءاً من اليوم، جولة من المفاوضات الماراتونية مع نظيره الروسي سيرغي لافروف تستمر أياماً، على أمل التوصل إلى تفاهم ينهي ملف الاسلحة الكيميائية السوري ويجنب المنطقة والعالم حرباً مدمرة.

وقالت مصادر رسمية أميركية وروسية أمس إن فريقاً من الخبراء سيرافق كيري الى لقاء جنيف، ومن المرجّح أن يكون بينهم مختصّون في أسلحة الدمار الشامل والأسلحة الكيميائية من الجيش الأميركي. وأفادت المصادر بأن كيري ولافروف سيعقدان جولة مباحثات على مدى يومين أو أكثر، بدءاً من الخميس، وسيُضمَّن ما توصل إليه الطرفان في مسودة قرار تقدّم الى مجلس الأمن. وأعلنت الخارجية الأميركية أن كيري لن يلتقي غير لافروف والأخضر الإبراهيمي.
وكان الأميركيون على موعد مع خطاب رئاسي متلفز تناول فيه الرئيس باراك أوباما أغلب النقاط المتعلقة بالملف السوري، مشدداً على أهمية اعتماد الدبلوماسية مع الإبقاء على الضفط العسكري. وأعلن أوباما أن الوقت «ما زال مبكراً» لمعرفة ما إذا كانت الخطة الروسية يمكن أن تجنّب سوريا ضربة عسكرية أميركية، لكنه تعهّد بإعطاء الدبلوماسية فرصة مع إبقاء «الضغط» العسكري.
وتعهد أوباما، في خطاب وجّهه الى الاميركيين استغرق 16 دقيقة، «بإبقاء القوات الاميركية في مواقعها قبالة السواحل السورية» لإبقاء الضغط على دمشق، فيما تتواصل المساعي الدبلوماسية. وقال أوباما،الذي عدّل خطابه في اللحظة الاخيرة في ضوء الخطة الروسية المستجدة والقاضية بوضع ترسانة الاسلحة الكيميائية السورية تحت إشراف دولي لإتلافها، «لكن هذه المبادرة يمكن أن تؤدي الى إزالة خطر الاسلحة الكيميائية من دون اللجوء الى القوة، وخصوصاً أن روسيا هي من أقوى حلفاء الاسد»، وإن كان «هذا الاختراق الدبلوماسي ليس سوى نتيجة للتهديد باستخدام القوة» الذي مارسته واشنطن أخيراً.
وأكد أوباما أنّ من «غير المطروح ألا تردّ أميركا على الهجوم بالاسلحة الكيميائية الذي وقع في 21 آب الماضي بالقرب من دمشق»، مشيراً إلى أنه «يدرك ان الاميركيين سئموا كلفة النزاعات في الخارج... وأنه مهتم أكثر بإنهاء حروب منه بفتح حروب جديدة». لكنه لفت الى انه «اذا لم تتحرك اميركا، فان الاسلحة الكيميائية قد تستخدم مجدداً».
ووسط الغموض الذي يحيط بحجم أي تدخل عسكري أميركي، حذّر من ان النظام السوري «سيدفع الثمن غالياً إن استخدمت القوة العسكرية الاميركية ضده». وقال اوباما «إن القوات الاميركية لا تقوم بعمليات صغرى. حتى ضربة محدودة ستوجه رسالة الى الاسد لا يمكن أي بلد آخر توجيهها». وأردف: «لا أعتقد أن علينا إطاحة ديكتاتور جديد بالقوة»، لكنه أضاف: «إن ضربة محدودة يمكن أن تجعل الاسد او أي ديكتاتور آخر يفكّر ملياً قبل استخدام أسلحة كيميائية».
كذلك أوضح الرئيس أنه طلب من الكونغرس إرجاء التصويت على طلبه للسماح باستخدام القوة العسكرية في سوريا، بغية إعطاء فرصة للدبلوماسية. وأكد أوباما أنّ القوة لن تُستَخدَم «إلى ان يصدر مفتشو الامم المتحدة تقريرهم عن وقائع هجوم 21 آب».
وردّ الكونغرس على أوباما بقبول طلبه، فيما ظل الانقسام في الآراء واضحاً بين معظم النواب والشيوخ، لكنهم اجمعوا على تأييد قراره بتقصّي السبل الدبلوماسية قبل أي عملية عسكرية. وأرجأ مجلس الشيوخ الى الاسبوع المقبل على أقرب تقدير عملية تصويت على قرار يجيز استخدام القوة لاعطاء الرئيس امكانية التثبت من جدية الطرح الروسي.
ومن جانب اليمين، كرّر الجمهوريون الانعزاليون من حزب «حركة الشاي» وعددهم كبير في مجلس النواب معارضتهم للتدخل، وأعلنوا أنهم «غير مقتنعين كثيراً» بدعوة الرئيس.
وكتب النائب جايسون شافيتز على «تويتر»: «لقد تلقيت اتصالاً من الأمين العام للبيت الابيض بعد دقائق من الخطاب، لكني أجبته بأن تصويتي لا يزال سلبياً».
من جهته قال السيناتور راند بول رأس حربة المعارضة في مجلس الشيوخ إنه «إذا قمنا بزعزعة النظام السوري، فإن الفوضى ستتفاقم وسنصبح في نهاية المطاف حلفاء القاعدة»، معبّراً عن أمله في ان تكلل المبادرة الروسية بالنجاح.
ومن جهة اليسار، رأى الديموقراطيون المناهضون للحرب السبيل الدبلوماسي بمثابة «مخرج مشرّف»، فيما يتزايد يومياً عدد معارضي التدخل. وقال السيناتور جيف ميركلي الذي لا يزال متردداً بعد خطاب اوباما: «أنا سعيد لأن الولايات المتحدة ودولا اخرى تبحث عن استراتيجية دبلوماسية دولية». وقال تشارلز رانغيل النائب المعارض للضربات: «أشيد بالرئيس لانه اختار الانتظار وطلب موافقة الكونغرس».
ويسعى الديموقراطي روبرت منينديز رئيس «لجنة الشؤون الخارجية» في مجلس الشيوخ مع أعضاء آخرين في المجلس لوضع صيغة جديدة للنص الذي سيعرض على النواب تربط أي عملية عسكرية على سوريا بعدم احترام الرئيس السوري بشار الاسد لقرار محتمل من الامم المتحدة.
وفي مجلس الشيوخ ينشقّ يومياً عدد متزايد من الأعضاء الديموقراطيين الرافضين للتدخل العسكري. وفيما كان الرئيس يلقي خطابه، أعلن 24 فقط من أعضاء مجلس الشيوخ تأييدهم للضربة و29 معارضتهم لها، فيما لا يزال 47 مترددين. وفي مجلس النواب يعارض 181 نائباً بحسب صحيفة «ذي نيويورك تايمز» التدخل.
(الأخبار، أ ف ب)