الأجواء السائدة في موسكو تشير إلى امكان أنّ تتمدد المبادرة الروسية تجاه سوريا، وأن لا تقتصر فقط على موضوع معالجة السلاح الكيميائي، كي تصل في نهاية المطاف إلى إيجاد حل نهائي للحرب في سوريا. صحيفة «معاريف»، التي نقلت «الأجواء الروسية»، أشارت إلى أنّ السيناريو الروسي، كما يجري تداوله في الكرملين، يطمح، أيضاً، إلى استغلال كامل للضعف الأميركي، وتوظيفه في إيجاد حلّ سلمي للملف النووي الإيراني.


وبحسب السيناريو الروسي، الهادف إلى انهاء الحرب السورية، سيواصل الرئيس بشار الأسد، الاحتفاظ بمقود السلطة، فيما المعارضة السورية التي وصفها الرئيس فيلاديمير بوتين في مقالته في صحيفة «نيويورك تايمز»، بأنها تتألف من «مقاتلي القاعدة ومتطرفين»، يتوقع أن تختفي. ومن بين السطور، يشير الروس، إلى تحقيق موافقة أميركية، تتعهد بموجبها واشنطن عدم تسليح المعارضة.
ويرى الروس، بحسب المعلومات المستقاة من الكرملين، أنّ الاتفاق في موضوع الأسلحة الكيميائية يمكن أن يحرك مساراً يؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء الحرب الأهلية في سوريا، وذلك إذا تحققت الشروط التي تضعف المتمردين، بحيث يضطرون إلى التخلي عن سلاحهم. ويسعى الروس إلى استغلال الاتفاق المتبلور، من أجل تعزيز الزخم الذي حظي به الأسد، وإذا ما حصل ذلك، فإن المفارقة الأساسية في كل ذلك، هي أنّ الأسد يمكن أن يعزو انتصاره في الحرب السورية، لاستخدامه السلاح الكيميائي.
ويربط الروس، بحسب التقرير، بين دور المراقبين الدوليين إلى سوريا، والتراجع الذي يتوقعونه في المعارك داخل هذا البلد. وفي موسكو لا يوضحون كيف أن هذين المسارين متصلان بعضهما ببعض، وقد يتعلق الأمر بنيتهم توسيع صلاحية التفويض المعطى للمراقبين الدوليين إلى ما وراء السلاح الكيميائي، والطلب منهم منع تمرير السلاح إلى المعارضة السورية. والواضح حتى الآن، أن الروس يسعون إلى الحصول على موافقة أميركية بوقف تسليح وتدريب المعارضين، هذا إن لم يكونوا مسبقاً قد حصلوا على تعهد كهذا، بعيداً عن الأضواء.
ويؤكد تقرير الصحيفة أنّ الروس لن يكتفوا بذلك، وسيسعون إلى استغلال الضعف الأميركي والطلب من واشنطن الضغط على حلفائها للإقلاع عن تسليح المعارضين، مشيراً إلى أنّ بعض هؤلاء الحلفاء، مثل السعودية وقطر، سلحوا مجموعات على صلة بتنظيم القاعدة، ولذلك قد يحصل الروس على تعاون أميركي بهذا الشأن. ويسعى الروس إلى إثارة الشعور بأن هذه هي طبيعة التعهدات التي سيحاولون الحصول عليها من الأميركيين، في الأيام المقبلة.
دور طهران
وفي خطة موسكو الكبرى، للإيرانيين دور محفوظ. وعلى خلفية الرسائل المعتدلة التي تصدر عن قيادة طهران الجديدة، والحديث عن بداية الحوار بين الرئيسين، باراك أوباما وحسن روحاني، يرى الروس فرصة لحل الموضوع النووي الإيراني. ولا مانع أن تتعهد موسكو، كجزء من الصفقة مع الأميركيين، الطلب إلى طهران وقف تدخلها في الحرب السورية، مقابل تعهد واشنطن الإقلاع عن تقديم الدعم للمتمردين.
وأشارت «معاريف» أنّه ليس من قبيل المصادفة، ما ورد على لسان الرئيس السوري خلال المقابلة مع التلفزيون الروسي والشروط التي وضعها أمام الأميركيين مقابل التزامه بوضع سلاحه الكيميائي تحت رقابة دولية، مضيفة أنّ الأسد يشعر بأنّه «مسنود» جداً من روسيا، وهو ما مكنه من وضع شرط «عدم تسليح الارهابيين»، وقد يكون بالفعل، قد أدرك أنه جرى التوصل إلى اتفاق ما بهذا الشأن.
مع ذلك، تضيف الصحيفة أنّ الأجواء السائدة في إسرائيل، ترى حالة من الضبابية إزاء طبيعة الصفقة المتبلورة بين واشنطن وموسكو، وتأثيرها على الحرب في سوريا وعلى المنطقة. وفي مداولات الأيام الأخيرة في إسرائيل طُرحت تقديرات متناقضة، رأى بعضها أنّ إقامة جهاز رقابة دولية على السلاح الكيميائي في سوريا، يمكن أن يؤدي إلى رد فعل عكسي وتعقيد الحرب أكثر. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن دوافع الجهاديين لمهاجمة المراقبين الدوليين، قد تتعزز. وبحسب الصحيفة فإنّ الروس يرون في الاتفاق الذي يبلورونه حول السلاح الكيميائي، أنه يخدم مصالح كل الأطراف.
وأكد التقرير أنّ الجهود الدبلوماسية القائمة حالياً، تصعّب على الأميركيين العودة إلى التلويح بالخيار العسكري، وخاصة أنهم لم يكونوا في وارد تنفيذه من الأساس. وبالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فإن الإقتراح الروسي سيعيطهم «السلم للنزول عن شجرة الهجوم التي تسلقوها»، والسماح لباراك أوباما بالتركيز على الشؤون الداخلية لبلاده.
الإحباط الإسرائيلي مستمرّ
إلى ذلك، واصلت إسرائيل، أمس، التعبير عن حالة الإحباط الشديد من الولايات المتحدة، ومن ترددها وتراجعها أمام سوريا، ومن صورة الضعف التي تبدت فيها أمام أعدائها. وقال عضو لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، تساحي هنغبي، المقرب من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، إنّه ليس مفاجآًً بـ «تأجيل الهجوم الأميركي على سوريا، إذ لإسرائيل تجربة مريرة في مثل هذه المواضيع، حتى مع الولايات المتحدة الأميركية». ودعا إلى ضرورة الاعتماد على النفس و«مواصلة تطوير القدرات الذاتية، إذ يجب ألّا ننتظر مجيء مشاة البحرية الأميركية لإنقاذنا».
من جهته، أشار وزير الشؤون الاستراتيجية، يوفال شتاينتس، إلى أنّ الرئيس السوري يسعى إلى كسب مزيد من الوقت، والحد من الانطباع الخطير الذي حصل عقب نشر الصور لضحايا الهجوم الكيميائي الأخير في ضواحي دمشق، لافتاً إلى أنّ مسعاه كله، يتمحور حالياً حول إزالة احتمال توجيه ضربة أميركية إلى بلاده من على جدول أعمال واشنطن.
وطالب شتاينتس بضرورة التحرك ضد النظام في سوريا، إذ «لا يمكن أن نضمن عدم استخدامه للأسلحة الكيميائية لاحقاً، إلا بعد ابعاد هذه الأسلحة عن الأراضي السورية»، مؤكداً أنّ «على المجتمع الدولي عدم الاكتفاء بتجريد سوريا من ترسانتها الكيميائية، بل عليه العمل على معاقبة الأسد على أفعاله، إذ عندما يرتكب شخص عملية قتل، لا يكفي أن يسلم سلاحه إلى السلطات».
وكان الاعلام العبري قد تلقى مقابلة الرئيس الأسد للتلفزيون الروسي، بقلق وصدمة، وخاصة أنّ المشهد بدا معاكساً لما كان عليه في الأسبوعين الاخيرين، إذ بدل أن تضع الولايات المتحدة شروطاً على الأسد، قام هو بوضع الشروط عليها. ورأت القناة الأولى الإسرائيلية، أنّ شروط الرئيس السوري لتفكيك سلاحه الكيميائي، وربطها بالتزامات متبادلة بينه وبين الولايات المتحدة، هي نوع من حرب الاستنزاف التي تقودها دمشق، مشيرةً إلى أنّ الأمر يتعلق بعملية طويلة قد تستغرق سنوات، فيما يتلقى الأسد «شيكاً مفتوحاً» من الأميركيين، يؤكد على قدرته على تصفية المسلحين في سوريا.
وأشار تقرير القناة العاشرة، إلى أنّ حديث الأسد يؤكد أنّ المسألة كلها تحولت إلى بازار يضم تاجرين فقط، وهما بوتين والأسد، اللذين يقومان بدعوة أوباما للانضمام إليهما، حيث يضع الرئيس السوري شروطه ويطلب ضمانات بأن لا يجري تهديده.
من جهته، كشف معلق الشؤون العسكرية في القناة العاشرة العبرية، ألون بن دافيد، عن أجواء القلق والخشية لدى القيادة الإسرائيلية في مرحلة ما قبل تجميد الهجوم العسكري على سوريا، مشيراً إلى أنّ «إسرائيل تنفست الصعداء بعد تأجيل الضربة، التي تسببت لها بصداع كبير».
ولفت إلى أنّ إسرائيل ترى أهمية كبيرة في أن تبدو الولايات المتحدة مصرة على خطوطها الحمراء في ما يتعلق باستخدام السلاح الكيميائي في سوريا، إذ لذلك تبعات على الملف النووي لإيران، لكن في نفس الوقت، فإن «الأمر الذي لا يقل أهمية بالنسبة إليها، هو أن لا تتورط في الحرب الأهلية في سوريا، وأن لا تبادر (أميركا) إلى حرب، من شأنها أن تورط إسرائيل أيضاً».
لذلك، فإن الصفقة الروسية، إذا تحققت، فهي أفضل مخرج للجميع: قد تؤدّي إلى إخراج السلاح الكيميائي من سوريا ولو جزئياً، وستطرد خوف الهجوم على إسرائيل ردّاً على الهجوم الأميركي، كما أنها ستلقن الأميركيين درساً بأنّ التهديد باستخدام القوة، سيتسبب باطلاق مسارات أخرى، يضيف بن دافيد.