يمكن لخوارزميات التعلم الآلي، من خلال تحليل التغريدات على «تويتر»، أن تحدد أماكن وقوع «حوادث خطيرة» تقود إلى أعمال شغب قبل أن يصل الخبر إلى الشرطة، ويمكنها أيضاً التنبؤ بالأماكن التي ستنتقل إليها أعمال الشغب، وذلك وفق دراسة حديثة لمجموعة باحثين في جامعة كارديف البريطانية. فقد طوّر هؤلاء نظاماً متكاملاً أثبت أنه يمكن أن يقوم بعملٍ أفضل من عمل مخبري الشرطة الموجودين على الأرض، في ظل تزايد نشر الأحداث على شبكات التواصل الاجتماعي قبل الإبلاغ عنها.


عام 2011 اندلعت احتجاجات في لندن سرعان ما تحوّلت إلى أعمال شغب عنيفة. بدأ الأمر بحدث معزول في حي توتنهام اللندني قبل أن يمتد بسرعة إلى أنحاء العاصمة. ولاختبار نظام الذكاء الاصطناعي، درس الباحثون 1.6 مليون تغريدة نُشرت آنذاك، وحللت خوارزميات التعلم الآلي التغريدات تلقائياً، وتمكنت استناداً إلى موقع نشرها وتوقيتها وتواتر مجموعة من الكلمات من تحديد مواقع «التهديد» المحتملة قبل الشرطة. ومكّنت البيانات النظام من أن يتبين أيضاً معلومات عن الأماكن التي يحتمل أن تحدث فيها عمليات شغب وأماكن تجمع المتظاهرين.


اليوم بات بإمكان السلطات توقّع أعمال الشغب والتعرّف إلى «المشاغبين»

واكتشف الباحثون (ناصر السعيدي وبيتر بورناب وعمر رنا) أن «الأحداث التخريبية» مثل كسر النوافذ وحرق السيارات وانتشار الجماعات «غير المنضبطة» كان يجري التغريد عنها بنحو مستمر قبل مدة تراوح بين 4 دقائق وساعة من إبلاغ شرطة لندن. وكشف الذكاء الاصطناعي من خلال التغريدات معلومات عن توجه المجموعات إلى منطقة أنفيلد عند الساعة الرابعة قبل ساعة و4 دقائق من معرفة شرطة لندن، كذلك كشف اندلاع عمليات شغب هناك قبل ساعة و12 دقيقة من إبلاغ الشرطة. وقبل 28 دقيقة من معرفة الشرطة، كشف الذكاء الاصطناعي معلومات عن مناقشة أعضاء معروفين في «العصابات» الانتقال إلى حي إدمنتون للقيام بأعمال شغب.
ويقول الباحثون إنه في «هذه النظم التفاعلية (شبكات التواصل الاجتماعي)، يمكن للجمهور العام أن ينشر ردود فعل في الوقت الحقيقي على أحداث العالم الحقيقي، وبذلك يكون بمثابة أجهزة استشعار اجتماعية لما يحصل. وبالتالي، فإن الكشف عن الأحداث وتصنيفها تلقائياً، ولا سيما الحوادث الصغيرة الحجم، باستخدام البيانات المتدفقة، مهمة ستكون ذات قيمة عالية لمنظمات السلامة العامة، مثل الشرطة المحلية التي تحتاج إلى الاستجابة وفقاً لذلك».
يعتمد نظام الذكاء الاصطناعي على خمسة عناصر رئيسية للكشف عن الأحداث، هي: جمع البيانات، المعالجة المسبقة، التصنيف، التكتل والتلخيص. وتشير الدراسة إلى أن «التكامل بين التصنيف والتكتل يمكّن من الكشف عن الأحداث، فضلاً عن الأحداث الأصغر ذات الصلة (مثل حرق السيارات، تدمير المحال التجارية…)، وهي حوادث تهدد السلامة والأمن الاجتماعيين أو يمكن أن تعطل النظام الاجتماعي».
في الواقع، يوجد العديد من الخوارزميات التي ترصد الأحداث، إلا أن غالبيتها تقوم برصد الأحداث على نطاق واسع مثل الانفجارات، الكوارث الطبيعية وغيرها، فيما يتعذر الكشف عن الأحداث الصغيرة مثل حرق السيارات وتحطيم الواجهات… وهو ما تمكن الباحثون في كارديف من معالجته بهدف مساعدة الشرطة، إذ يعتقدون أن عملهم يمكن أن يمكّن الشرطة من إدارة أفضل وتحضير أقوى للأحداث التخريبية الكبيرة والصغيرة على حد سواء.
لكن ماذا تعني إمكانية توقع الشرطة أماكن التجمع والاحتجاجات قبل حصولها؟ ترفع هذه المسألة إشكالية كبرى متمثلة بحق الناس في التجمع والتعبير عن رأيهم بحرية، إذ إن الشرطة ستكون مستعدة للتصدي لأي محاولات تجمّع تتعارض مع مصالح الأنظمة الحاكمة قبل حصولها. أضف إلى ذلك تقنيات عدة نتجت من التطور التكنولوجي، وتحديداً التقدّم السريع في مجال الذكاء الاصطناعي، قد تستعملها الأنظمة للقمع مثل تقنيات التعرّف على الوجوه التي تُطرح إشكاليات أخلاقية كبيرة حولها تتعلق بالتعرف إلى المتظاهرين في الاحتجاجات ومراقبة تحركاتهم.
اليوم بات بإمكان السلطات توقّع أعمال الشغب والتعرّف إلى «المشاغبين»... كل ذلك بفضل الاستغلال البشع للذكاء الاصطناعي في قمع الحريات، عوض استغلاله في تحسين البشرية. فما الذي يجب أن نهابه أكثر: الذكاء الاصطناعي أم الأنظمة الحاكمة؟

■ للاطلاع على الدراسة انقر هنا


* للمشاركة في صفحة تكنولوجيا التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]