يحتوي العالم على عدد لامتناهٍ من المعارف والبيانات المهمة وغير المهمة، لكن البشر يمتلكون مساحة محدودة في ذاكرتهم لتخزين هذه المعارف. لمواكبة هذه الأحداث، كان لا بد لنظامنا التعليمي البيولوجي من أن يتطور، فالبشر يملكون قدرة مهمة جداً على تحديث معارفهم وذكرياتهم بشكل يومي بمعلومات وبيانات جديدة، وتحديد المعارف الأكثر أهمية للاحتفاظ بها في الدماغ واستبدال المعارف غير المهمة بمعلومات جديدة؛ نتحدث هنا عن ميزة التذكّر والنسيان.


ميزة ستنتقل إلى الآلات وبرامج الذكاء الاصطناعي، ما سيساهم بشكل كبير في تحسين تفاعل هذه الآلات مع البشر ويزيد من فعاليتها، إذ نجحت طالبة الدكتوراه في مجال الرؤية الحاسوبية وتعلّم الآلة في جامعة لوفين في بلجيكا، السورية ابنة الـ 29 عاماً، رهف الجندي، في تعليم الآلة ما (لا) يجب أن يُنسى

الآلة مثل الإنسان لديها مساحة محدودة في الذاكرة، لكنها، على عكس الإنسان، تتعامل معها من خلال استبدال المعلومات القديمة بأخرى جديدة، بغض النظر عن أهمية المعلومات المستبدلة، إذ لم يكن هناك تقنية موثوقة يمكن اعتمادها لجعل الآلات تحدد ما تنسى وما تتذكر. وعليه، فإن النهج الذي يتّبعه البشر ليتعلّموا وينسوا ويتذكروا يمكن أن يطبّق على الشبكات العصبية الاصطناعية أيضاً وهو ما أثبتته وما قامت به الجندي في ورقتها البحثية.
كيف ننسى؟


الهدف جعل الآلات
وبرامج الذكاء الاصطناعي
أقرب إلى الإنسان وأكثر
تلبيهً لاحتياجاته


ترتكز الدراسة الحديثة التي أعدتها الجندي بمشاركة باحثين في فريق فايسبوك لأبحاث الذكاء الاصطناعي وفريق من جامعة لوفين تحت عنوان "التشابك العصبي لإدراك الذاكرة: تعلم ما (لا) يُنسى"Memory Aware Synapses: Learning what (not) to forget، على نظرية "هيب" التي تشرح كيف يتعلم البشر من خلال الخلايا العصبية.
عندما يتعلم الشخص شيئاً جديداً، فإن الخلايا العصبية داخل الدماغ تبدأ بالتكيف مع العمليات المطلوبة. كيفية عمل الخلايا العصبية وارتباطها ببعضها يخلق الاتجاه الذي يبدأ عملية بناء المهارات داخل الدماغ. عندما تنشط الخلايا العصبية، تميل الى أن تتصل ببعضها لتشكل حلقة محددة. خلال عملية التعليم، يتم تنشيط العديد من الخلايا العصبية في الوقت نفسه، فتتصل هذه الخلايا ببعضها، ما يخلق حلقة تواصل أقوى يصعب كسرها. تصبح هذه الحلقة نمطاً تعليمياً يتحول الى معرفة عملية. وبالتالي، كلما تم تنشيط حلقة الخلايا العصبية، باتت أقوى وصعب محوها لاستبدالها بمعلومات جديدة. بمعنى آخر، نحن نتعلم من خلال التنشيط المستمر للخلايا العصبية، فكلما تم تنشيطها تذكّرناها، وكلما قل تنشيطها باتت عرضة للنسيان.
لكن في حالة تعلّم الآلة، يختلف الأمر. تشرح الجندي في حديث مع "الأخبار"، أنه "إذا أردنا الحصول على عميل آلي (رجل آلي) يمكنه التعلم بشكل مستمر والتكيف مع البيئة المحيطة. فهذا يتطلب مساحة تخزين غير منتهية ووقتاً غيرَ منتهٍ لتنفيذ المهمات. كذلك فإن طرق التعليم الحالية تمكن الآلة من التعلم ضمن مرحلة واحدة فقط وتعاني من مشكلة نسيان ما تعلمته سابقاً في حال تعلمها مهمة جديدة". وتضيف: "لذلك نحن بحاجة إلى تطوير أنظمة قادرة على أن تحافظ على المعلومات السابقة المهمة وأن تنسى المعلومات غير المهمة التي تعلمتها ولم تستخدمها أو لا تحتاج إليها في بيئتها الراهنة وأن تستبدلها بمعلومات جديدة يحتاج إليها النظام (الرجل الآلي) لتنفيذ مهمات جديدة. من هنا، قمنا بتطوير طريقة تحاكي الدماغ في قدرته على استبدال المعلومات القديمة بأخرى جديدة، ما سيشكل نقلة نوعية في مجال تعلم الآلة تساهم في تطوير آليات ذكية ومتكيفة".

كيف تقرر الآلة أن تنسى؟

لحماية البيانات الحاسمة من المعلومات التي تكون دائماً قيد الاستخدام من محوها بأخرى جديدة، نحن بحاجة إلى طريقة تعلم مستمر مدى الحياة تتخذ الحل الأفضل في مختلف المهمات. وهنا تظهر إشكالية أخرى: ما (لا) ينسى قد يختلف من شخص إلى آخر اعتماداً على السياق الذي يتم استخدامه، لذلك لا بد من إيجاد نموذج يتكيف مع الظروف التي ينشط فيها ضمن النظام ويستخدم هذا التكيف بيانات غير مصنفة.

كلما تم تنشيط
الخلاياالعصبية نتذكّرها،
وكلما قلّ تنشيطها
باتت عرضة للنسيان

"هذا التكيف وتنظيم الذاكرة هما ما نلاحظه في النظام العصبي البيولوجي. وقدرتنا على الحفاظ على ما تعلمناه من قبل تعتمد إلى حد كبير على مدى تكرار استخدامنا له. يبدو أن المهارات التي نمارسها في كثير من الأحيان لا تنسى، على عكس تلك التي لم نستخدمها لفترة طويلة. ومن الملاحظ أن هذه المرونة والتكيف تحدثان في غياب أي شكل من أشكال الإشراف. وفقاً لنظرية هيب، فإن العملية التي تشكل أساس هذه الظاهرة هي تعزيز نقاط الاشتباك العصبي التي تربط الخلايا العصبية التي تنشط بشكل متزامن، مقارنة بتلك التي تربط الخلايا العصبية بسلوك نشط غير متصل".
لذا، فإن الجندي طورت طريقة لتتصرف الشبكات العصبية الاصطناعية بالطريقة نفسها من خلال قياس النواتج من الشبكة العصبية ورصد مدى حساسية التغيرات في الوصلات داخل الشبكة، ما يعطي إشارة عن أي معايير تعدّ الأكثر أهمية للشبكة ويجب الحفاظ عليها. وبالتالي، فإن الطريقة المقترحة قادرة على معرفة أهمية العوامل المتغيرة في الشبكة الناتجة من البيانات الجديدة التي تدخل الى النظام بطريقة غير خاضعة للرقابة. وأظهرت الورقة أن هذه الطريقة يمكن أن ينظر إليها باعتبارها تطبيق نظرية "هيب" في تعلم أهمية العوامل المتغيرة. فقد قام الفريق بداية بإجراء اختبار على سلسلة من مشاكل التعرف على الأشياء في تقنية التعليم المستمر مدى الحياة التقليدية. ثم انتقل إلى حالة اختبار أكثر صعوبة حيث يتم تعليم الآلة الحقائق من الصور بطريقة مستمرة، ما أظهر قدرة على إدراك أهمية المتغيرات باستخدام البيانات التدريبية وبيانات الاختبار وقدرة على تكييف هذه الأولويات مع البيانات المتدفقة.
تأتي أهمية هذه الورقة في أنها ستكون خطوة إلى الأمام في تطوير النظم التي يمكن أن تتعلم دائماً والتكيف بطريقة مرنة مع البيئة المحيطة، ما سيجعل الآلات وبرامج الذكاء الاصطناعي أقرب إلى الإنسان وأكثر تلبية لاحتياجاته.







من مدينة السلمية في محافظة حماة، إلى دمشق وتحديداً كلية الهندسة المعلوماتية في جامعة دمشق، وصولاً إلى جامعة لوفين في بلجيكا، تدرّجت الطالبة رهف الجندي في طموحاتها بتطوير آليات ذكية بدلاً من برمجة كل عملية بسيطة على الآلة أن تقوم بها. عندما أنهت تخصصها في هندسة الكمبيوتر، وتحديداً الذكاء الاصطناعي في دمشق، انتقلت إلى أوروبا في خريف عام 2013 حيث انضمت الى برنامج دراسات عليا مشترك بين جامعة جان مونيه في فرنسا وجامعة اليكانتي في إسبانيا متخصص في التعلم الآلي وتنقيب البيانات، لتحصل بعدها على منحة دكتوراه في جامعة لوفين في بلجيكا التي تملك فريق بحث مهماً عالمياً في الذكاء الصناعي والرؤية الحاسوبية. ستحصل الجندي على درجة الدكتوراه السنة المقبلة وهي تطمح إلى العمل باحثةً في مجال الذكاء الصناعي لتكمل ما بدأت به من أبحاث شغوفة بها.

* للمشاركة في صفحة تكنولوجيا التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]