من منا لا يعلم أننا نخضع منذ زمن طويل لمراقبة الكاميرات الرقمية؟ في الشوارع، في المتاجر، في وسائل النقل، في المطارات وربما في منازلنا وأماكن عملنا. نعلم أيضاً أن المهمة الأساسية لهذه الأعين الصاحية تكمن في البحث عن مجرمين وإرهابيين أو عن مشتبه بهم والحؤول دون وقوع الجريمة.


لندن مثلاً، كانت تعد المدينة الخاضعة للمراقبة الأعمق في العالم، إذ تسهر أكثر من نصف مليون كاميرا مراقبة على أمن العاصمة البريطانية حيث تلوح أعينٌ ميكانيكيةٌ رموشها عند كل زاوية هناك. حين يخرج المرء من منزله في الصباح ويستقل سيارته أو إحدى وسائل النقل الأخرى، تلاحقه حتماً كاميرا مراقبة. إذا سار في شارع للمشاة ودخل إلى متجر أو مقهى داخل المدينة، سترصده أيضاً كاميرا مراقبة. هذه الوسيلة الدفاعية كانت الأمثل على ما يبدو في العاصمة حتى وقوع العملية الإرهابية الأقسى هناك. في ذلك الوقت، في السابع من تموز من عام 2005، حصلت تفجيرات الأنفاق في لندن التي نفذها 4 إرهابيين في ساعة الذروة نتج عنها مقتل 52 شخصاً. فتح تحقيق أمني كبير وتم الاطلاع على آلاف الساعات من شرائط الفيديو في محاولة للمح مشتبه بهم. فكيف فشل نظام المراقبة المتطور هذا في الحؤول دون وقوع الجريمة الكبرى؟ الجواب البديهي الذي يخطر في أذهاننا أنه كان على رجال المراقبة أن يشاهدوا كل الشاشات على مدار الساعة والربط في ما بينها للتنبؤ بوقوع الجريمة، وهذا الأمر مستحيل. لم تمنع إذاً كاميرات المراقبة هذه الجريمة، لكنها أدت دوراً أساسياً في التحقيقات في ما بعد. منذ ذلك الوقت، تطور التحدي لدى المهندسين والباحثين في العالم إلى محاولة منع الجريمة قبل حصولها، وهذه مهمة لا تستطيع كاميرا غبية القيام بها.
منذ سنوات ومع تطور الإلكترونيات الرقمية، بتنا نشهد ما يعرف بالكاميرات الذكية لما تحتويه من شرائح إلكترونية وحساسات قادرة مجتمعةً على التفكير والتحليل واتخاذ قرارات من خلال زرع الإنسان خوارزميات حاسوبية فيها تعمل من دون كلل أو ملل لأهداف محددة. هذا الأمر دفع الدول والحكومات إلى تعزيز منظومات المراقبة المعتمة لديها وتغييرها في بعض الأحيان بشكل جذري عبر إدخال عنصر "الذكاء" إليها ودمجها مع تقنيات أخرى كالإنترنت وداتا الاتصالات والأجهزة الذكية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، مما يسمح بإعفاء البشر من مهام المراقبة واتخاد القرارات وتحميلها لهذه التقنيات بشكل كامل. وبالتالي تقتصر مهمة الإنسان في ما بعد على اتخاد الإجراءات العقابية أو القضائية مثلاً بحق الذين لم يستوفوا شروط الخوارزميات. بناءً على ذلك، باتت الحكومات والأجهزة الأمنية والشركات تستخدم أشياءنا اليومية لتسجيل نشاطاتنا اليومية.


منظومة كاميرات «الأخ الأكبر» هي أكبر شبكة كاميرات
مراقبة ذكية في العالم

مرة أخرى نقع إذاً تحت رحمة هذه الخوارزميات والتقنيات "المجنونة". لم يعد يقتصر الأمر فقط على الكاميرات المزروعة أرضاً، فعلى سبيل المثال أنشأت وزارة الدفاع الاميركية مؤخراً وحدة حرب خوارزمية تسعى من خلالها إلى الاستفادة من التعليم الآلي والذكاء الاصطناعي في مجال خوارزميات كاميرات الطائرات من دون طيار "للحدّ من قتل المدنيين"، على حد قولهم، حيث تخضع خوارزميات الكاميرات لساعات طويلة من التدريب عبر "فيديوهات ملتقطة مسبقاً من الجو في الشرق الأوسط" تمكّنها من تعلم تحليل الوجوه بشكل أفضل والتفريق بين الأفراد. أو مثلاً في المستقبل القريب سيساعد زرع الرقاقات في الجنود على التواصل في ساحة المعركة أو الحصول على معلومات من أنظمة الـ GPS أو الطائرات بدون طيار. أحد السيناريوهات المحتملة تكمن في أن يرتدي الجندي عدسة لاصقة لمساعدته على رؤية ما تقوم الطائرة بدون طيار بتصويره من فوق. على الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول الصناعية باتت متطورة جداً في دمجها لهذه التقنيات ضمن منظومة واحدة تتعقب آثارنا، لكن الصين ذهبت بعيداً وبنت منظومة كاملة قالبةً الخيال العلمي حقيقة وواقعاً: منظومة كاميرات "الأخ الأكبر"، وهي أكبر شبكة كاميرات مراقبة ذكية في العالم.
هذا المشروع هو جزء من مشروع مستقبلي أكبر لتقييم المواطنين بالأرقام اعتماداً على مجموعة من البيانات التي يتم جمعها وتقييمها خلال النشاط اليومي للمواطن الصيني هناك. على هذا الطريق، ثبتت الحكومة الصينية شبكة مراقبة مكونة من عشرات ملايين الكاميرات الذكية في جميع أرجاء البلاد، التي تقول إنه يهدف إلى تعزيز الأمن وجعل عمل رجال الأمن أكثر كفاءة عبر التعرف إلى المجرمين أو الأشخاص المشبوهين في غضون ثوانٍ، ضمن قاعدة بيانات تشمل ملياري وجه ومن ثم القبض عليهم في غضون دقائق. كما يهدف المشروع، حسب قولهم دائماً، إلى مراقبة حركة المرور المزدحمة وتعقب أشخاص مطلوبين للعدالة والعثور على أشخاص ضائعين. تحتوي هذه الكاميرات على خوارزميات رؤية حاسوبية جديدة من شركة Hitachi قادرة على التقاط كل التفاصيل الصغيرة عن الشخص ومتابعته بشكل مباشر. كما أنها قادرة أيضاً على تصنيف الناس على أساس أكثر من 100 خاصية، بما في ذلك الجنس، الثياب، الشعر، حمولة اليد، والعمر وطريقة السير حتى في ظل وجود زحمة كبيرة من الناس. ينطبق الأمر ذاته على وسائل النقل، إذ يمكن التمييز بين أنواع السيارات وألوانها وأرقام لوحاتها. لتوضيح مدى جدية هذا النظام وفعاليته، اتفق مراسل الـBBC جون سودورث مع مركز التحكم بشبكة الكاميرات على البحث عنه في أرجاء المدينة من خلال كاميرات التعرف إلى الوجوه. استغرقت الشرطة الصينية سبع دقائق فقط لتحديد موقع المراسل واعتقاله.
يوجد اليوم نحو 170 مليون كاميرا ذكية في أرجاء الصين ويتحدث عدد من التقارير عن أن 400 مليون كاميرا ذكية سيتم زرعها في حلول عام 2020 مع التركيز على خوارزميات تحليل الصور المدعمة بالذكاء الاصطناعي ليصح القول بأن "عين العالم على الصين، بينما عين بكين على مواطنيها". واكبت هذا المشروع، أصوات معارضة تقول أنه يحد من الحريات العامة وينتهك أحياناً الخصوصيات الفردية وربما يضع شخصيات معارضة للنظام الصيني تحت المجهر، مما يفتح علامات استفهام عن مستقبل مشروع الكاميرات في ضوء المشروع الأكبر: "الأخ الأكبر".
بناءً على ما ورد، في حال استثمرنا جيِّداً الأجهزة الإلكترونية الذكية كالكاميرات المزروعة في كل مكان والهواتف التي تلاحق تقريباً كل إنسان والكثير من التكنولوجيات العميقة والواضحة مع خليط من خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتنقيب والتحليل في كمٍّ هائل من الداتا (صور، مسار تعقب، صوت، فيديو، رقم سيارة، بطاقة ائتمان)، سنصل حتماً إلى انتظار المجرم أو الإرهابي في ساحة الجريمة قبل وقوعها. لكن من ناحية أخرى، هذه التقنيات المثيرة للجدل تملك باسم الأمن والأمان القوة اللازمة للاعتداء على حرياتنا الشخصية أكثر من أي وقتٍ مضى. فهل من إجراءات قانونية "حقيقية" على الحكومات سنّها لكي لا نصبح عراة "إلكترونياً" أمام الجميع؟

كيف تعمل تكنولوجيا التعرف إلى الوجوه؟





على الوجه البشري، هناك 80 نقطة عقدية. يصف الكمبيوتر الوجه بتحديد مواقع هذه النقاط وقياس الفرق بين القسمات. إذا ما جمعت هذه الخصائص معاً، تكوّن شيفرة عددية تدعى بصمة الوجه. في حال كان لدينا قاعدة بيانات لعدد كبير من الوجوه، يستطيع الكمبيوتر مقارنة بصمة الوجه المطلوبة مع قاعدة البيانات هذه للعثور على تطابق وتحديد هوية الشخص. للحصول على درجة تطابق عالية، يجب أن تكون صورة الشخص المطلوب عالية الجودة وملتقطة بشكل وكأن الشخص ينظر إلى الكاميرا مباشرةً. هذا الأمر سبب مشكلة في كثير من الأحيان خصوصاً إذا ما أخذت الصورة من الجانب، مما دفع العلماء إلى إدخال قفزة تكنولوجية جديدة في هذا المجال عبر إدخال بعد ثالث على التقنية وبالتالي تمكين الكمبيوتر من معرفة الوجه من كل الزوايا. تنتج الكاميرات العالية الجودة صوراً عديدة من زوايا عديدة يمكن من خلالها إنتاج وجه كامل ثلاثي الأبعاد مؤلف من عدد كبير من النقاط العددية (حسب عدد الصور الملتقط) مما سيرفع درجة نجاح المقارنة مع قاعدة بيانات ثلاثية الأبعاد هذه المرة. هذه التقنية ثلاثية الأبعاد فتحت الباب واسعاً أمام عدد هائل من التطبيقات المستقبلية في مجال الأمن وغيرها.




الصين تسعى للتربع على عرش الذكاء الاصطناعي

منذ أسابيع قليلة كشفت الصين عن مخططها لبناء مجمع لتطوير الذكاء الاصطناعي في غرب مدينة بكين ستبلغ تكلفته أكثر من ملياري دولار ضمن استراتيجيتها لتصبح الرقم الأول في الذكاء الاصطناعي في العالم بحلول عام 2025. ونقلت وكالة أنباء الصين Xinhua أن هذا المجمع سيضم 400 شركة ويقدر الإنتاج السنوي بـ 7.7 مليار دولار ويستغرق بناؤه 5 سنوات. سيركز المجمع على مجالات عدة أهمها البيانات الضخمة، التحديد البيومتري، والتعلم العميق والحوسبة السحابية وشبكات الجيل الخامس. وتأتي خطة الصين الرامية إلى تسريع عملية تطوير الذكاء الاصطناعي وسط تصاعد التوترات بين بكين والولايات المتحدة حول التطبيقات التنافسية للذكاء الاصطناعي في التكنولوجيا العسكرية، وفق ما نقلت وكالة رويترز، ويقول مجلس الدولة إن الصين تهدف الى تنمية الصناعة المحلية الى اكثر من 150 مليار يوان بحلول عام 2020 و 400 مليار يوان بحلول عام 2025.
وتتابع رويترز أنه على المستوى المحلي، كشفت الصين عن سلسلة من الخطط لتعزيز المواهب والاستثمار والبحوث في الذكاء الاصطناعي، وحثّت الشركات الخاصة والعامة والعسكرية على التعاون بشأن الأهداف الوطنية للذكاء الاصطناعي في خارطة طريق التنمية التي صدرت عام 2017.

*مهندس ودكتور في مجال علوم الكمبيوتر وأنظمة تكنولوجيا المعلومات - باحث في الوكالة الفرنسية للطاقة الذرية والطاقات البديلة



■ للمشاركة في صفحة تكنولوجيا التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]