رغم منعها الكلي تقريباً في الولايات المتحدة، انتزعت شركة «هواوي» (Huawei) الصينية العملاقة للاتّصلات المرتبة الثانية عالمياً في الهواتف الذكية من شركة «آبل» خلال الربع الثاني من العام الجاري، لتصبح الآن في تحدٍّ مباشر مع «سامسونغ» الكورية. وقد استأثرت «هواوي» بنسبة 15,8 في المئة من إجمالي حجم سوق الهواتف العالمية، مقارنةً بـ12,1 في المئة لمصلحة «آبل».

مؤسس الشركة، رين زنغفاي، وصف مجموعته بـ«ذئب مندفع بلا هوادة لا يترك طريدته»، بعدما باعت «هواوي» 54,2 مليون هاتف متجاوزة بذلك «آبل» التي باعت 41,3 مليون هاتف، فيما لا تزال «سامسونغ» تحتل الصدارة مع 71,5 مليون وحدة، بحسب ما نقلت شركة «آي دي سي» (IDC) المختصة في دراسات وتحليلات أسواق أجهزة المستهلك الإلكترونية.

شكوك بـ«التجسّس»؟
تسيطر «هواوي» على نسبة 10% من حصة الهواتف الذكية في السوق الأوروبية (مقابل 25% لشركة آبل و30% لسامسونغ). وفي آذار/مارس الماضي، أطلقت هاتفها الجديد «بي 20» بعد عرضه في لندن وبرشلونة. ومن أهم مميزات هواتفها الذكية شاشاتها الكبيرة وذاكرة ذات سعة تخزين ضخمة وكاميرا تصل دقّتها العالية إلى 40 ميغابكسل، طورتها الألمانية ليكا. واللافت أن كل هذا يباع بسعر مبدئي من 650 إلى 900 يورو.
لكن الشركة عاجزة عن دخول سوق الولايات المتحدة، إذ يُثير الماضي العسكري لمؤسسها شكوكاً بالتجسس، فيما تنفي المجموعة، التي تأخذ من مدينة شينجن في جنوب الصين مقراً لها، بشدة هذه المزاعم. وفي بداية 2018، رفضت الشركات الأميركية عرض هواتف «هواوي» تحت ضغط من الكونغرس.

من المرجح أن تتجاوز «هواوي» «سامسونغ» في الربع الأخير من عام 2019 (أ ف ب )

المرتبة الأولى في 2019؟
يقول الخبير في شركة «كاناليس»، بن ستانتونفي، إنّه «لا يمكن الاستهانة بأهمية تجاوز هواوي لشركة آبل»، معتبراً أن «حرمانها من سوق الولايات المتحدة اضطرها لبذل جهود أكبر في آسيا وأوروبا».
وهذا ما يبرر اتباع الشركة استراتيجيات مختلفة تبعاً للسوق. ففي إندونيسيا والسعودية وجنوب إفريقيا، تعرض «هواوي» طِرازات متطورة من الناحية التكنولوجية، وبأسعارٍ معقولة جداً. والهدف من وراء ذلك إبقاء المستهلكين مع «هواوي» عندما يفكرون في الارتقاء بأجهزتهم.
وبناءً على هذه الاستراتيجية، من المتوقع أن تتجاوز هواوي عام 2018 هدفها المحدد ببيع 200 مليون هاتف، وهو الحد السنوي الذي انفردت «سامسونغ» بتحقيقه حتى الآن.
حتى أن مسؤول فرع المنتجات الاستهلاكية في المجموعة الصينية، ريتشارد يي، رجّح «إلى حدٍّ كبير» أن تصبح «هواوي» «الشركة الأولى في الربع الأخير من عام 2019»، لتتجاوز بذلك «سامسونغ».

تحدي الجيل الخامس
تنتج «هواوي» بنفسها مكوناتها الرئيسية، وهو ما يجنبها مصير «زد تي إي» (ZTE)، وهي شركة الاتصالات الصينية العملاقة الأخرى التي تعتمد على المكونات الأميركية، وتخضع لقيود فرضتها إدارة دونالد ترامب. ولكن على المدى الطويل، قد يؤثر غيابها عن السوق الأميركية سلباً عليها، إذ يقول خبراء إن إطلاق «آبل» قريباً طِرازات جديدة سيسمح للمجموعة الأميركية باستعادة المرتبة الثانية.
إطلاق «آبل» طِرازات جديدة قريباً قد يسمح لها باستعادة المرتبة الثانية (أ ف ب )

وفي مقلبٍ آخر، يرى الخبير، تارون باثاك، أن تجاوز المجموعة الصينية لـ«سامسونغ» يعدّ أكثر تعقيداً، على اعتبار أن «كلما تطورت منتجات الشركة، ازدادت الميزات والابتكار وتوقعات العملاء بصورة كبيرة».
وإدراكاً منها لهذا التحدي، زادت «هواوي» إنفاقها على البحث والتطوير بنسبة 17% العام الماضي إلى 11,6 مليار يورو، أو 15% من إيراداتها وهي تقترب مما تنفقه «أمازون» و«ألفابت» (مالكة غوغل) على البحث والتطوير. وبناءً على ما سبق، يخلص باثاك إلى أن «أداء الكاميرات والاختبار الحاسم» لهواتف الجيل الخامس، هي التي ستحدد مصير «هواوي» في مواجهة «آبل» و«سامسونغ». ومن المسائل الأخرى التي يتعين عليها مواجهتها إشباع السوق العالمية واحتدام المنافسة في الصين، وهي سوقها الرئيسية، حيث تواجه كذلك شركة «خيامي» وشركتي «أوبو» و«فيفو» الجديدتين.

«سامسونغ»: استثمار 22 مليار دولار في تقنيات جديدة
في ردّ غير مباشر يأتي في سياق المنافسة المحتدمة بين عمالقة التكنولوجيا، أعلنت مجموعة «سامسونغ» أنها ستستثمر 25 تريليون وون (22 مليار دولار) على مدى ثلاثة أعوام لتطوير التقنيات التي ستسهم في النمو المستقبلي للشركة.
وهذا الاستثمار هو جزء من حزمة أوسع نطاقاً قيمتها 180 تريليون وون (160 مليار دولار)، تخطط أكبر مجموعة أعمال في كوريا الجنوبية لإنفاقها خلال الفترة المذكورة، لخلق فرص عمل وتأمين مجالات نمو جديدة، في ظل ضعف نشاطها الرئيسي في قطاعَي أشباه الموصلات والهواتف الذكية. وأشارت إلى أنها ستستثمر 130 تريليون وون (115.8 مليار دولار) من القيمة المذكورة في شركات في كوريا الجنوبية.
كذلك، لفتت الشركة في بيانها إلى أنها تخطط للتوسع بدرجة كبيرة في قدرات أبحاث الذكاء الاصطناعي وزيادة عدد الباحثين في هذا المجال المتطور إلى ألف في مراكز الأبحاث التابعة لها في أنحاء العالم، والاستثمار بكثافة في الأدوية الحيوية. كذلك، تطمح الشركة إلى «زيادة عدد الوظائف الجديدة إلى 40 ألفاً بدلاً من 20 ألفاً» كان قد أُعلن عنها في وقتٍ سابق. ووفق بيان المجموعة، من المفترض أن تخلق هذه الاستثمارات نحو 700 ألف فرصة عمل جديدة في الصناعات ذات الصلة في كوريا الجنوبية.