كثيراً ما نسمع عن فحوص الحمض النووي التي تُجرى للتأكد من أن مشتبهاً فيه كان في مكان الجريمة من خلال آثاره، إلا أن هذه الوسيلة القديمة نسبياً (منذ عام 1984)، والتي تعتمد على مقارنة بعض مقاطع الحمض النووي ببعضها، ليست هي التي تشغل المجتمع العلمي اليوم، بل هو التطور التكنولوجي والطبي الذي يتيح إمكانية الحصول على كامل التسلسل الجيني للشخص، وما يقدمه ذلك من وسائل جديدة لتوقّع الأمراض وتوقّيها حتى قبل حصولها، وما يطرحه من قضايا الخصوصية الشخصية والآثار الاجتماعية.


في عام 2007، رُسمت أول خريطة جينية مؤلفة من ستة مليارات من الرموز للعالم الأميركي «كرايغ فينتر»، وبعدها توالت الخرائط المكتملة، حتى إن مؤسس شركة «آبل»، «ستيف جوبز» كان بين أول عشرين شخصاً حاولوا فعل ذلك، بتكلفة مئة ألف دولار حينها، محاولاً الحصول على علاج غير تقليدي للسرطان الذي أصابه. مع الأيام، انخفضت الكلفة بنحو مذهل، فاق بأضعاف سرعة تطور الكومبيوتر. وفي الشهر الأول من عام 2014، أعلنت شركة Illumina أنها أصبحت جاهزة لتقدم التسلسل الجيني للشخص بكلفة ألف دولار فقط!
على صعيد الأفراد، يُعَدّ وصول هذه التقنية إلى سوق التعامل التجاري الباب الأول نحو «الطب الشخصي» (Personalized Medicine). لن يعود الدواء الأفضل هو نفسه لكل المرضى بداء معيّن، بل إن معرفة التسلسل الجيني للشخص ستساعد على معرفة الجينات المسببة للأمراض، وبالتالي تشخيص الدواء الملائم لكل حالة على حدة. ولا يقتصر الموضوع على المرضى وحسب، بل يتقاطر الناس العاديون اليوم، وخصوصاً القادرين مادّياً للحصول على خريطتهم الجينية، بغية اكتشاف الأمراض التي قد يتعرّض لها الشخص، كما فعل أحد مؤسسي غوغل «سيرجي برين»، متقصياً احتمال إصابته بمرض «الباركينسون». يستفيد الباحثون في هذا المجال من كل من يقدّم خريطته الجينية لتجري دراستها ومقارنتها مع الباقين، من أجل تشخيص أسباب الأمراض، وخصوصاً المستعصية منها.
وكما في عالم الإنترنت حيث الصراع يحتدم بين الفرد ومن يحاول أن يستغلّ معلوماته، نشأ في عالم الجينات صراع مماثل، وإن بعواقب أكبر. المشكلة الأساسية هي أن من يحصل على خريطة الفرد الجينية، قادر على معرفة الكثير عن إثنيته، عن الأمراض التي قد يتعرّض لها أو التي يعاني منها. ويهدد انتشار هذه المعلومات عن الفرد دون إرادته أو علمه بعواقب لها نتائج اجتماعية مهمة. فالزواج بين شخصين قد لا يحصل إن علم أحدهما بما تعكسه جينات الآخر، ومن يتقدّم إلى وظيفة معيّنة قد يُرفض منها للسبب ذاته، وكذلك شركات التأمين التي قد تأخذ في الاعتبار استعداد كل شخص للمرض في تحديد فاتورته، أو البنوك التي قد تمتنع عن إعطاء القروض الطويلة الأمد لمن قد يتعرّض لمرض مستعص.
في البداية، حاول العلماء التخفيف من هذه الظاهرة عبر إزالة المعلومات عن هوية الشخص الذي تُحلَّل جيناته، وهذا، وإن كان قد أفقدهم القدرة على الربط بين الأمراض الوراثية وتلك الناتجة من البيئة التي يعيشها الشخص، إلا أنه أقنع الكثيرين بعدم خطورة الإقدام على خطوة الحصول على تسلسلهم الجيني.
نجح علماء من جامعات أميركية أخيراً في اكتشاف هوية الأشخاص عبر مقارنة المعلومات من تسلسلهم الجيني بالمعلومات الموجودة على الإنترنت. بمعنى آخر، إنه بمجرّد أن يقدّم الشخص خريطته الجينية للباحثين، دون أن يفصح عن هويته، بإمكانهم اكتشافها بتلك الوسائل!
القضية لا تتوقف عند الشخص وحده، بل إن إقدام أي كان على نشر خريطته الوراثية أو تقديمها للباحثين، سينعكس على خصوصية عائلته أيضاً، إذ إن الأمراض الوراثية، الممكن حصولها في عائلة ما، يمكن استنتاجها من أحد أفرادها. ولذلك يعمل الباحثون على ابتداع وسائل تساعد العائلة بأكملها على أخذ ذلك القرار بالنشر أو عدمه. إلا أن الأمور قد تتعقّد أكثر عندما لا يكون هناك وفاق داخل العائلة، أو عندما يقدم أحد أفرادها على نشر معلومات خاطئة عن تسلسله الجيني، محاولاً التأثير في سمعة باقي الأفراد. وعندها تقع العائلة بين معضلتي إظهار كذب ذلك الشخص من جهة وعدم التفريط بخصوصية تسلسلها الحقيقي من جهة أخرى، وهي مشكلة اجتماعية - طبية لم يفكّر العلماء في حلّها بعد!
العديد من هذه المشاكل توقّعها فيلم الخيال العلمي GATTACA في عام 1997، حيث جرى تصوّر عالم فيه طبقية مبنية على التمييز الجيني، حيث كل وظيفة بحاجة إلى تحليل جينات الشخص قبل أن يُقبل فيها، حتى بات الوصول إلى وظيفة أرقى يتطلب من البعض «انتحال جينات» الآخرين، وكذلك الزواج من شريك من رتبة جينية أعلى. فهل يكون مثل هذا العالم بعيد المنال في ظلّ سيادة المصلحة والربح على حاضرنا، وبوجود معرفة شاملة عن كل أشخاص المجتمع وأوضاعهم ومستقبلهم من خلال جيناتهم؟! هذا ما سيحدّده العاملون في حقل الخصوصية الجينية في القادم من السنين.