تستلقي على سريرك ذات مساء، منتظراً بدء المباراة الافتتاحية لكأس العالم عام 2070. في أحسن تقادير الزمن، قد يكون الدهر عفا عليك إن كنت قرأت هذا المقال عام 2014، ولكن هذا لن يمنعك من متابعة شغفك القديم بالمستديرة، التي من أجلها لا تزال تعلّق على حائط غرفتك بطاقات إلكترونية للاعبيك المفضّلين، لعلّه أحدهم حفيد ميسي أو نيمار، تتابع على شاشتها الرقيقة آخر أخبارهم وتغريداتهم وما يريدونك أن تعرفه عن تحرّكاتهم وترى بثاً مباشراً يظهر كلّاً منهم في الملعب عند التمارين وفي المباريات.


تحين لحظة البداية، فتضع نظارات تخوّلك الانغماس عن بعد بما يجري في الملعب عبر تقنية الـ(3D Immersion)، وكأنك أحد اللاعبين. وكذلك يفعل أحفادك ربما، الموجودون في الملعب شخصياً، تنقلهم هذه التقنية إلى مشهد آخر يغوصون فيه كلياً بين اللاعبين أنفسهم. على المدرّجات، تتحرّك كراسي الجماهير تلقائياً بتناغم كامل على شكل أمواج لزيادة الحماسة، وتُرفع لافتات وأعلام إلكترونية تتغيّر حسب الهتاف الذي يطلقه الجمهور. ويرتدي هؤلاء أيضاً قبعات تتمتّع بشاشات إلكترونية تتغيّر لتساهم في رسم اللوحة العامة، وكلّ ذلك بتنسيق كامل تدخل فيه الأصوات والحركات لتشكّل أوركسترا لا مايسترو لها. أحفادك المعجبون بلاعب معيّن ينسّقون تشجيعهم له مع أمثالهم عبر تطبيقات الهواتف، وكلما زاد تشجيعهم تحسّست هواتفهم ذلك، ونقلت ذلك إلى الإدارة التكنولوجية للمنتخب وأخذته بعين الاعتبار.


يتوقّع القيّمون
على الدراسات المستقبلية في عالم الكرة أشياء تفوق الوصف

في الملعب، غابة من الكاميرات بالغة الصغر (Miniature Cameras): فعلى الأرضية، كاميرات تتحسّس وجود الكرة واللاعبين، فتخرج من الأرض وقت ابتعادهم عنها فقط. وحول اللاعبين، حشرات روبوتية طائرة، تتبع كلّاً منهم بدقة وخفية لتصوّر تحرّكاته. وعلى ملابس اللاعبين تعلّق كاميرات شبيهة لتنقل المباراة بعين اللاعب نفسه، وتتيح ذلك المشهد لمن أراد من الجماهير، وكذلك إلى الحكم الذي تصله فوراً نظرة شاملة عن الملعب تُدمج فيها أهمّ الزوايا بالأبعاد الثلاثة لتساعده في قراراته.
لا يقتصر ما يراه الجهاز الفنّي للفريق على هذه الكاميرات، فتقنيات مراقبة الصحة واللياقة موجودة على أجسام اللاعبين، وبالتالي تتوافر المعطيات عن ضغط الدم، معدلات السكر، ونسب الأوكسيجين، بشكل مباشر لمعرفة من يبذل الجهد الأكبر ومن يحتاج إلى التبديل. واللاعبون مزوّدون أيضاً بعدسات تعزّز الواقع الذي يرونه على أرض الملعب عبر تقنية الـ(Augmented Reality)، فيتضّح انتشار الجميع وتتمّ مقارنته بالخطة المحدّدة، ويصحّح أي خلل عبر التواصل الصوتي مع المدرّب. وفي أحذية اللاعبين مجسّات تقيس الالتحام مع الكرة أو اللاعب الآخر وتوفّر هذه المعلومة للحكم لتحديد الخطأ من عدمه.

عند انتهاء المباراة، تضع نظاراتك تلك جانباً، بعدما انتهى المحلّل الكروي من كلامه، وبعدما مرّت بعض الإعلانات المخصّصة لك حصراً حسب اهتماماتك، وتتوجّه إلى ملعب الحيّ الصغير برفقة حفيدك الآخر، الذي لم يذهب إلى كأس العالم مع أترابه وشاهدها معك في المنزل. يرتدي هو عدّة الكرة؛ ومن بينها تلك العدسات، ويتفّق مع اللاعبين على أن مباراة اليوم في ملعب «سانتياغو برنابيو»، فتُظهر هذه العدسات تفاصيل المباراة لهم وكأنها تجري هناك. واللاعبون ليسوا من البشر حصراً، فعام 2070 هو على الأرجح في عصر الروبوتات ذوي الأشكال البشرية (المسمّاة Androids)، والتي لها هيكل كالإنسان تحيط به مادة من البوليمر تشبه العضلات. وبما أن السنّ لا يسعفك لمجاراة حفيدك، تتحكم أنت بأحد تلك الروبوتات، وترى المباراة عبره من خلال النظارات نفسها التي شاهدت بها مباراة الافتتاح.
القصة أعلاه ليست نسجاً من خيال، بل هي بناء على ما يتوقّعه القيّمون على الدراسات المستقبلية في عالم الكرة، وعلى رأسهم «إيان بيرسون»، في تقريره بعنوان «مستقبل كرة القدم». و«بيرسون» كاتب ومخترع كان وراء أكثر من عشرين تقنية في مختلف المجالات، وعلى رأسها الرسائل النصية SMS. على أن هذه التوقعات لا يمكن أن تمرّ دون ملاحظة الإشكاليات التي ترافقها، إذ تأتي لتردم الهوة بين الواقع الافتراضي الذي تقدّمه ألعاب الفيديو مثلاً وبين المباريات الحقيقية، وقد يعتبر البعض أنها تقضي على «روح اللعبة»، التي من أجلها لا تزال تمتنع الـ«فيفا» عن إدخال أبسط التقنيات لإعانة الحكام مثلاً (كالإعادة البطيئة لتحديد الخطأ في حالات الشكّ). ففي الألعاب حَكم افتراضي لا يُعترض على قراراته، ومع كل الكاميرات والمجسّات التي ستتوافر، قد لا يصبح بعيداً أن يُصمّم حكم إلكتروني للمباريات بين البشر، قراراته يأخذها كومبيوتر يعلمُ كل شيء على الملعب.
وبالنظر إلى تلك الدراسات، أوّل ما يتبادر إلى أذهاننا هو أنّ توافر هذه التكنولوجيات ليس مضموناً لجميع الفرق، فهل ستنقسم هذه على أساس التقدّم التكنولوجي الذي بالضرورة يعني التفوّق الكروي؟ وبالتالي هل سينشأ السباق على الوصول إلى الأحدث من تلك التقنيات، بل وحتى يبدأ التفكير في كيفية خرق نظم الفرق الأخرى لإضعافها تكنولوجياً؟
وعلى صعيد آخر، تحثّ هذه التوقّعات على التأمّل مجدّداً بماهية كرة القدم في المستقبل، وبالتحديد أين تقع بين الرياضة الصرفة من جهة، والعرض الممتع والمربح من جهة أخرى. ففي الحالة الثانية، قد تصبح أسئلة من قبيل: «هل نحتاج إلى الحكم؟» طبيعية جدّاً، بل وكذلك «هل نحتاج إلى جمهور؟ أو إلى ملعب» إلى أن نصل إلى السؤال الأعقد: «هل نحتاج إلى لاعبين من البشر؟».