"دليل اللصوص"! تخيّل تطبيقاً بهذا الاسم يمكن تنزيله على الهواتف الذكية، يتضمن معلومات عن "المنطقة الأفضل للسرقة"! ليس هذا أمراً صعباً. يمكن، بكل بساطة، تحديد منطقة كهذه بالافادة مثلاً من المعلومات المتاحة للجميع عن القدرات الشرائية لسكانها ومعدل الجريمة فيها. والنتيجة أن المكان "الأمثل" ليرتكب اللص "الذكي" فعلته قد تكون منطقة يتمتع سكانها بمستوى دخل عالٍ ومعدل جرائم متدنٍ، وفيها عدد كبير من مصابيح الانارة العامة المعطّلة بسبب تلكؤ السلطات البلدية عن إجراء التصليحات اللازمة.


تطبيق كهذا ليس أمراً متخيلاً تماماً، بل هو في الواقع موجود باسم "النشل السهل" (easy pickings)، ابتكره طالب هولندي يدعى برام فريتز وقدّمه أمام مؤتمر لـ "الهاكرز" في أمستردام قبل سنوات، وقال إن الهدف منه "إثارة النقاش حول جدوى طرح المعلومات الخاصة أمام العامة". لحسن حظّ سكان العاصمة الهولندية وشرطتها، لم يُطرح هذا التطبيق في الأسواق. ولكنه كان دليلاً، إن كان الأمر في حاجة الى دليل، الى أن الـ "داتا" يمكن أن تستخدم لغايات شريرة بالمقدار نفسه الذي يمكن أن تستخدم لغايات خيّرة. إذا كان التطبيق الهولندي برهاناً على الاستغلال الشرّير للمعلومات المتاحة أمام الجميع، فإن النروج تقدّم دليلاً معاكساً.
بحسب احصاء أجراه الاتحاد الأوروبي، فإن الأطفال دون 12 سنة يتوجهون الى مدارسهم سيراً على الأقدام أكثر من أي فئة عمرية أخرى. لذلك لجأت السلطة المحلية في أوسلو الى هذه الفئة العمرية عبر تطبيق على الهاتف الذكي طوّرته شركة "كابغميني" يسمح للأطفال بالابلاغ عما يعتبرونه خطراً في طريقهم الى المدرسة. والتطبيق عبارة عن لعبة الكترونية تسمح للطفل بلعب دور "عميل سرّي" مهمته الابلاغ عن أي خطر محتمل.
هكذا، مع انتشار التكنولوجيا، تعمل السلطات في كل بلد على تجميع الـ "داتا"، وأحياناً من مصادر غير متوقعة، كالأطفال كما في "التجربة النروجية"، ومن كل مكان يمكن أن تزرع فيه أجهزة استشعار كالجسور وشبكات الصرف الصحّي وسلال القمامة وأعمدة الانارة.
وفي احصاء أجرته شركة "غارتنر" الأميركية المختصة في إجراء الأبحاث حول تكنولوجيا المعلومات، توقعت، بحلول 2020، أن يكون هناك أكثر من 26,5 مليار جهاز لجمع الـ "داتا" موصولة الى الشبكة الالكترونية حول العالم، تصل قيمتها الى نحو 1,9 تريليون دولار. وهذا ما يجعل السلطات تعمل في شكل أكثر فاعلية. فقد تمكّنت ولاية فيلادلفيا الأميركية، مثلاً، من توفير نحو مليون دولار سنوياً بعدما زرعت أجهزة استشعار في سلال القمامة. وكانت النتيجة أنه بدلاً من جمع النفايات في ثلاث ورديات يومياً، بات الجمع يتم بعد ان تعطي الأجهزة اشارات الى امتلاء السلال بالنفايات. والى الوفر المادي، هناك أيضاً البعد البيئي الذي تجلّى بشاحنات نفايات أقل في الشوارع ما يعني تلوثاً وازدحاماً أقلّ.
وفي غلاسغو الاسكتلندية، تسعى السلطات المحلية الى استبدال مصابيح الانارة العام بأخرى LED ما يؤدي الى وفر يقدر بـ 50 في المئة من فاتورة الكهرباء الضخمة التي تدفعها. لكن الطموح لا يتوقف عند ذلك، إذ أن أعمدة الانارة زُوّدت بأجهزة استشعار تسمح بجعل النور أكثر اشعاعاً ربطاً بارتفاع معدل الضجيج ليلاً (كاندلاع مشاجرة أو احداث عنف مثلاً). ويرتبط المشروع بكاميرات مراقبة موزعة في أنحاء المدينة تسمح للشرطة بمتابعة أية مشكلة فور اندلاعها. وفي مدينة سانتاندر الاسبانية، يمكن السكان بلمسة إصبع الاطلاع على مدار الوقت على معلومات حول ازدحام السير وتأخر مواعيد حافلات النقل العام الطرق المغلقة ومدى توافر مواقف للسيارات في المناطق التي يقصدونها.
في مفهوم "المدن الذكية"، وبالنسبة الى السكان، تعمل ثورة المعلومات في اتجاهين: تجعل حياتهم أسهل بما لا يقاس، ولكن بعد الاطلاع على أدقّ تفاصيلها. في لندن، اليوم، يمكنك رصد حركة الحافلة التي تنتظرها بدقة وتقدير الوقت الذي تحتاجه لانتظارها. الخطوة التالية التي تطمح العاصمة البريطانية الى بلوغها، بعد معرفة حركة كل حافلة، هي معرفة مكان وجود كل مواطن! الـ "داتا" التي تُجمع عبر الكاميرات وأجهزة الهاتف الذكية وأجهزة الاستشعار التي باتت مزروعة في كل مكان تساعد في مواجهة مشكلة ازدحام السير وخفض معدلات الجريمة ومكافحة التلوث، ولكن، في الوقت نفسه، يمكن استخدامها في اختراق خصوصيات المواطن. كما ان هناك سؤالاً أخلاقياً مهماً: هل سئل أحدنا يوماً ما إذا كان يرغب فعلاً في أن "يُستخدم" في جمع المعلومات مهما كانت الغاية نبيلة؟ إضافة الى ذلك، فإننا جميعاً نساهم، من دون وعي، في تغذية الداتا لمصلحة الحكومات والشركات، فهل يأتي يوم تدفع هذه الحكومات والشركات لمواطنيها ثمن "جهدهم" هذا؟ لا يبدو الامر مستبعداً!