على القصّة أن تبدأ من مطرح ما، حالما تُهيّئ المستمع أو المتفرّج لما سيأتي لاحقاً. «إمبراطورية بيروت» لفرانسوا سارغولوغو (1955) لا تلتزم تماماً بشروط اللعبة التقليدية، على قاعدة أن لا شيء يمكن أن يربح على التاريخ، إلا إذا كان يفوقه لامعقولية. لن نعثر بسهولة على مرجعيات عربية للفنان اللبناني، رغم أنّ عدداً كبيراً منهم لجأ إلى الأرشيف، وأعاد تركيبه وصياغته كمحاولة لفهم الماضي. لكن سارغولوغو يعلن تطرّفه إلى الشعرية والخيال الخالص منذ البداية.

ما يبدو استعارة أخرى للتاريخ، بناه الفنان على احتمالات وخيارات جمالية أيضاً. هذا جزء أساسي من تفكيره التقني لإنجاز أعماله وتركيباته البصرية (Assemblages) الجديدة في «غاليري جانين ربيز» (الروشة ــ بيروت).
تتألف الأعمال من طبقات عدّة: الصور الأولى التي عثر عليها في أرشيف العائلة وأرشيفه الخاص، وتلك التي ركّبها من الصور، ثم عاد والتقط لها صوراً نهائية. ثمة ما يدفع الفنان اللبناني إلى عدم البقاء مخلصاً لصوره وما وجده في أرشيف عائلته. أن ينقلب على سطوته، فيحوّل الصور إلى لوحات خرافية بالأبيض والأسود تبقي المتفرّج في حالة ضياع. وجد سارغولوغو سبيله إلى التدخّل في الصور وتعديلها في أعماله السابقة. التأمل في سياقاتها الزمنية الطبيعية، والمتقطّعة، كمحاولة لإعادة فهمها أو الإطاحة بها. في «وراء البحر»، استخدم صوراً التقطها في الثمانينيات، قبل أن يعود ويرفقها بنصوص صغيرة بعد حوالى 30 عاماً. وفي «وظائف للإجازة»، اختبر العلاقة بين بقع غرافيكية لونية مع الحيّز الجغرافي المديني لبيروت، الظاهر في الصور.
نعود إلى إمبراطوريته الجديدة المؤلّفة من سلسلة تركيبات بصرية.

«المشهد xx ــ اليوم الـ 70 من الربيع»

إلى أي زمن تنتمي هذه الأعمال؟ أي عصا سحرية أمسكَ ليخرس الزمان والمكان؟ يستعير سارغولوغو من صندوق الفرجة عينه، فيخرج صوره الـ 22 ضمن إطارات مدوّرة. كل صورة قصّة على حدة، فيها نتف من الماضي. يركّبها ضمن مشهديات حركية أخاذة، تختلط فيها البورتريهات، والكائنات الغرائبية، والحيوانات، والأجواء الأسطورية. الضوء والظل أيضاً، الفضاءات الداكنة وتلك المفتوحة البيضاء. يبني الفنان سيركاً محكماً للتاريخ. هناك رجل يمشي على الحبل فوق مبنى قديم، وآخر يطعج حديدة في فمه أمام بحر، وفي أرض قاحلة جلس أحدهم على عامود، في مشهد عبثي. المراكب الفضائية والنجوم والكواكب تنهمر من السماء. طبقة وراء طبقة. تتوالد السرديات إحداها من الأخرى في جو عبثي. كدنا نقول إنّ سارغولوغو يخفي المكان أيضاً. في هذه المناخات الغبشة، تطالعنا صور أمكنة لتنزل الرأس الذي شرد إلى أرض قد يكون يعرفها. المنارة القديمة هي مرقد لكارنفال مرعب، تقف عليه طفلتان متطابقتان أمام بورتريهات عائلية مضيئة كنجوم في السماء. جسد امرأة ينتصب على دبّابة كتمثال، بجوار حيوان ملتبس، وراءهما مبنى «الأورينت» في بيروت. قرد ما قبل الوجود البشري يقف أمام لافتة كتب عليها «استوديو أمبير». يفضّل الفنان الهرب عبر الثقوب السوداء. هنا مكانه بعدما ضاقت به المطارح. ليست خيبة أو استسلاماً كما قد يهيّأ لنا، فلعبته تقوم بشكل كامل على تبديل ملامح ما رآه، كمحاولة لفهمه، لانتزاع سلطته، للمشاركة فيه، للسخرية منه، واللعب معه. وإذ يبقي سارغولوغو بعض الأمكنة كما هي، فإنه يضع لها امتدادات جديدة مليئة بالعناصر الأخرى. جامع الأمين في بيروت، يبدو أنه وجد قبل زمن بعيد من بنائه. يترك للمتفرّج مجالاً وافراً ليبني قصّته الخاصة، ويضع إسقاطاته ويحدّد مصائر أولئك الشخوص الذين تعلّق صورهم بجوار القمر. لا مجال للهرب سوى بهذه الطريقة. النجاة بالخيال. مثل سواه، عاش سارغولوغو التاريخ اللبناني وحروبه، رآه عبر الصور، قرأه في الكتب. لكن ليس ضرورياً أن ما يُرى يصير مقبولاً. أن يغيّر الفنان من صور كان قد التقطها بنفسه أو التقطها سواه يعني أولاً عدم مجاراة الصورة وسطوتها.
تركيباته تتقمّص الحرب، لكن الضحايا هم دببة وقردة ما قبل الحضور البشري

ولا مجاراة التاريخ اللبناني كما تقدّمه هذه الوثائق. هناك من يقول إن على المصور الفوتوغرافي مواجهة التاريخ كي يأتي بنتيجة من مجابهته لوقائع وأحداث العالم. ماذا يفعل سارغولوغو حين يقف في مواجهة صور من جابه التاريخ قبله؟ يقرّبنا هذا السؤال قليلاً من طرح الفنان الذي لا يعترف بالزمن إلا ليشتته ويتخلّص منه، ولا بالكاميرا إلا لينتزع عن الصورة حسمها. هكذا يجعل تركيباته تتقمّص الحرب أحياناً. لكن الضحايا هم دببة وقردة ما قبل الحضور البشري، والأشرار يسقطون من مراكب فضائية. في كثير من أعمال فناني الكولاج والتركيبات الفنية، تنفضح لعبة التركيب عن قصد، لتظهر على شكل نافر أحياناً، خصوصاً الدادائيين في ردّهم على أحداث الحرب العالمية الأولى. سارغولوغو يختار تقديم اللامعقول ضمن قالب شاعري محكم بصرياً. كأنه يطمح إلى ترك وثيقة أخرى كما الوثائق التاريخية، يستحيل معها تمييز العناصر التي أضيفت إلى الأخرى. هكذا اقتطع الصور، جرّدها من نهائيتها، فتح لها منافذ كثيرة، منح الشخوص والأمكنة فرصة كي تختبر تجارب جديدة، ثم في الأخير، أعادها مجدداً إلى إطار آخر. هذا الإطار ما هو إلا صورة أخرى يصعب أن تكون قادرة وحدها على كشف خيوط التركيب الذي اعتمده سارغولوغو. استخدم الفنان ألواح زينك ودلق عليها الأسيد ثم رمالاً وبنّاً، ألصق عليها قصاصات صوره قبل أن يلتقط لها صورة نهائية. وبهذا ينجّي الصور، بوصفها وثائق لأحداث تاريخية لبنانية، من حقيقتها أولاً وثقلها. يفتح سارغولوغو ثقوب نجاة للمتفرّج. يمدّ له سلماً إلى القمر. يضفي بعض الشاعرية عندما تتفرع الأيادي البشرية كأشواك من عنق الورود. تختلف الأمزجة بين عمل وآخر؛ اللعب، والسوداوية، والحب، ضمن الاشتغال الجمالي للفنان بما فيه تنوع الخيالات والهالات الداكنة والنقاط اللامعة على سطح العمل (بفضل التقنية). وفي بعض الأحيان تنتصر الفكاهة والسخرية على كل شيء، حين يركب رجلان بطرابيش حمر... حبّة بطاطا!

* «إمبراطورية بيروت»: حتى اليوم ـــ «غاليري جانين ربيز» (الروشة ــ بيروت). للاستعلام: 01898290