في مساحات محمود حجيج (1975) الجغرافيّة لن نعثر على الحدود. لا نتعرّف إليها إلا في اختفائها. يستغلّ الفنان والمخرج اللبناني هذه الفراغات في معرضه الجديد «غير موثّق» (Undocumented) في «غاليري أجيال» (الحمرا ــ بيروت). حجيج الذي أنجز أفلاماً تسجيلية قصيرة، واختتمها بباكورته الروائية «طالع نازل»، يحاول هذه المرّة البحث عن حدود البلاد بالتزامن مع عودة الحديث عنها قبيل البدء بالتنقيب عن النفط والغاز. بحثه الفوتوغرافي لا يمكن أن يكون أقل عبثية من الترسيم المعتمد نفسه. الخرائط وجغرافيا النزاعات هي مساحات مثاليّة لأسئلة يطرحها انطلاقاً من خلفيتيه الإعلامية والفنية. اعتاد خلخلة الأرقام والتواريخ من دون أن يخفي انغماساً سياسياً واضحاً كما في Relatively Speaking الذي لجأ فيه إلى الخرائط، وعدّادات الأرقام وسطوتها: أرقام القتلى، تخصيب اليورانيوم، العمليات العسكريّة الأميركية، المخطوفين في الحرب الأهليّة… وقبله في «نحتاج إلى التحدّث» حيث اجتاحت كاميرته الجغرافيا الفلسطينية عبر البحر الميّت.

صوره وكولاجاته الفوتوغرافية المعروضة حاليّاً، تتنقّل بين وظائف مختلفة للكاميرا. حين نرى لقطاته للمساحات الطبيعية، فإنها تخلو مما يمكن أن يجعلنا نصدّق أنها حدود، باستثناء الجدار الصلف الذي لا يزال يبنيه العدو الإسرائيلي على الحدود الجنوبيّة. من هنا، يلقي على صوره بمهمّة وطنيّة مستحيلة، هي ترسيم الحدود من شمال البلاد إلى جنوبه.

الناقورة (فوتوغرافيا ومواد مختلفة ــ 60×90 سنتم ــ 2019)

قطع حجيج مسافات طويلة لتوثيق ما لا يُرى، في التلال والأنهار والبحر من وادي خالد إلى رأس الناقورة. لا تظهر هذه الحدود أكثر من حدائد مروّسة، أو نصب ضئيلة تختصر الخط الأزرق، أو أطلال بناء كان يملكه أحد السكّان واضطرّ إلى هدمه نزولاً عند أمر من عناصر الجيش السوري، بعدما حسموا بأنه يقع ضمن الأراضي السوريّة. غياب يبعث سؤال المعرض أو أسئلته: ما الحدود؟ ما الذي يجعلها حدوداً؟ كيف ترسم؟ وما طبيعتها (مادية...)؟ أسئلة يرسّخها الفنان حين لا يترك مشاهده على حالها. إلى جانب التوثيق لتلك المناطق المنسية، تبدو العدسة كما لو أنها في رحلة بحث شديدة العبثيّة في وطن لم تحسم حدوده بعد. هنا يتدخّل بالمَشاهد، مستعيراً أدوات التخطيط السلطوية. يتولّى هو نفسه مهمّة ترسيم الحدود. من جهة، يستخدم الكاميرا ليكمل رسم الخرائط (mapping) الذي لجأ إليه في خريطتين أنجزهما مع اللواء عبد الرحمن شحيتلي، وبالاستناد إلى أبحاث هذا الأخير ومحاضراته في إشكاليات ترسيم الحدود اللبنانية. يقدّم إلينا تصورين عن الأرض اللبنانية ومساحتها مطبوعتين على ملصق يوزّع في المعرض. الأولى هي الخريطة المتعارف عليها التي تبلغ مساحتها 10,452 كلم، وأخرى تقلّّصت إلى 10,234 كلم، بعدما اقتطع منها الأراضي المتنازع عليها. هكذا تلاعب بتهكّم بهذه الوثائق من دون أن يتخلى عن الطريقة الرسمية التقليدية في رسم الخرائط. في ينطا، ووادي الأسود ودير العشاير والناقور والقاع ومناطق أخرى، هناك أشجار وسماء وحصى ومياه ومشاهد عاديّة، تخفي السرديات العنيفة للأمكنة (الاحتلال، الأسلاك الشائكة، والألغام). خصوصيتها تكمن في معرفتنا المسبقة بأنها تقع على الحدود. عندما يتدخّل في صوره، فإنه، يتخلّى بطريقة أو بأخرى، عن جانب يمنح الصور قوّتها ووقعها، أي ذلك المتمثّل بغياب آثار الحدود، والذي يختصر هشاشة الوطن.
تلاعب بخريطة لبنان مقتطعاً منها الأراضي المتنازع عليها

يأتي تدخله في الصور ضمن ممارسات فنية تتوزع على أربعة أقسام تدور حول الفكرة نفسها. يصنع حدوداً لصوره لا تقلّ عبثية عن الحدود الخفية الأولى. يأخذ الخط الذي شقّت به «معاهدة سايكس بيكو» المنطقة، ويمليه على اللقطات. هكذا يشوّه مشاهده بخط عشوائيّ يقتصّه منها. في مجموعة ثانية استخدم زجاج البلكسي، لتنفسخ الصورة إلى قسم مغبش وآخر واضح. يجزئ حجيج مساحاته الطبيعية بالكولاج. يقصّ المشهد بخطوط طولية مستقيمة من خلال طبع كل جزء على مادة مختلفة (ألمنيوم، جلد، خشب، زجاج بلكسي)، بينما يضيف إليها عناصر خارجية مثل إعلان «كوكاكولا» الذي غطى به إسمنت الجدار الإسرائيلي، مشيراً إلى الجانب الدعائي. يلعب على حضور الجدار مجدداً، فيقدّم تمثيلات مختلفة للعدو الإسرائيلي. فوق الجدار التقط عصفورين صغيرين كنقطتين، لكنه كبّرهما في إحدى اللقطات (كما تقدم دولة الاحتلال نفسها)، ثم استبدل بهما طائرتين حربيتين تخترقان المشهد، ليضع مكانهما صورتين للألغام، ثم عبارة «الموت للعرب» التي كتبها جنود الاحتلال بالعبرية في مزرعة والده في الجنوب اللبناني خلال حرب تموز عام 2006. لم يكن يملك متسعاً من الوقت أثناء التصوير. رحلاته التي قام بها بمساعدة عناصر من الجيش والقوى الأمنية، كانت محكومة أحياناً باستنفار جنود الاحتلال الذين راحوا يقابلونه بكاميراتهم، وأحياناً بالألغام التي تنتشر الملايين منها على الحدود. وبعيداً عن الفوتوغرافيا، استخدم حجيج التراب كرمزية للأرض ضمن تجهيزات عدّة. من المناطق الحدودية، جمع عيّنات من الأتربة التي يتفاوت لونها وخشونتها بين بقعة وأخرى. وملأ كل نوع (بالإضافة إلى الماء) داخل زجاجة منفصلة وختمها بالشمع الأحمر في إحالة مباشرة على التقسيم المناطقي والطائفي في لبنان. بجانبها، وضع خليطاً من هذه الأتربة يحمل التجسيد «المثالي» للوطن المتنوّع. أما تجهيزات التراب الأخرى داخل مصل وفي علب بأغطية ملوّنة، فقد واصلت استهلاك فكرة الانقسام/ التنوّع نفسها. علماً أنه خلال تصوير معرضه الحالي، كان حجيج يعمل على إنجاز فيلمه الروائي الثاني الذي سيدور على الحدود اللبنانية المزعومة.

* Undocumented لمحمود حجيج: حتى 13 نيسان (أبريل) ــ غاليري «أجيال» (الحمرا ــ بيروت). للاستعلام: 01/345213