من خلال قراءةٍ سريعة لمسيرة التشكيلي والمؤرخ الفنّي الفلسطيني كمال بلاطة (1942)، يمكن ملاحظة أنّه يعيش ويفكر ويتنفس الفنّ. الفنان المولود في القدس، لوالدين مقدسيين (بربارة ويوسف) الذي نشأ في الحي المسيحي في المدينة المقدسة، شدّه الفن منذ نعومة أظفاره، فدرس في محترف «خليل الحلبي» (1889-1964) المشهور برسم الأيقونات. تتلمذ الشاب على يديه، لكنّه ظل مشدوهاً بالفن ككلية متكاملة لا بالأيقونات فحسب. من خلال بيع لوحاته المائية والمعارض التي أقامها في القدس وعمّان، تمكّن من تأمين قسط جامعته ليدرس الفنون في إيطاليا وتحديداً في أكاديمية الفنون الجميلة في روما (Academia di Belle Arti). تبعها لاحقاً بدراسةٍ تخصصية لأعوامٍ ثلاثة من الولايات المتحدة وتحديداً من «معهد كوركوران للفنون» في واشنطن (Corcoran Art Museum School). بدأت تجربته بالنضوج بدءاً من عام 1974، حين أشرف كمديرٍ فني على «دار الفتى العربي» في بيروت. كانت الدار تجربة رائدة في مجال العمل الأدبي والثقافي مع كتب الأطفال، فأسهم بلاطة في صناعة القوالب الفنية والإبداعات التي كانت تطل في هذه الكتب.


«قصيدة» (طباعة يدوية على حرير ـ ٣٦ × ٢٤ سم ـــ ٤٠٠ غم ـــ ٢٠١٨)

لم يتوقف عن الرسم وعن تطوير أسلوبه وتنويعه، فشكل حالةً خاصة، وحُفظت أعماله ضمن مجموعات خاصة وعامة في المتحف البريطاني، و«معهد العالم العربي» في باريس، ومتحف زيمرلي للفنون (نيوجرسي)، ومكتبة نيويورك العامة، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة. عرف عن بلاطة أنه «يقدّس» المربّع كمفهوم رسمي؛ إذ يشير في أحد لقاءاته الصحافية: «يرمز المربع في منطقتنا إلى الأرض، في حين الدائرة ترمز إلى السماء، والجمع بينهما يرمز إلى العلاقة بين السماوي والأرضي». ولأن قاعدة الخط الكوفي «مربّعة»، فقد استخدمها بلاطة كنقطة انطلاق له في هذا المجال حين رسم «الحروف» وطوّعها في أعماله الفنية. من هنا يمكن القول بأنَّ أسلوب بلاطة في العمل ولو كان تجريدياً في لحظةٍ ما، فإنه يعود إلى مربعه باعتباره نقطة راحة بالنسبة إليه. ومن يراقب لوحات بلاطة، يمكنه بسهولة أن يشعر بأن هناك نوعاً من التواصل بين اللغة والشكل الهندسي والألوان التي يحاول بلاطة أن تنطق ضمن مبدأ إيطالي لغاليليو يقارب فكرة أن اللوحة «تتحرك» كل الوقت. أعماله تركّز على فكرة التقسيم في الهوية الفلسطينية، والانسلاخ عن الأرض من خلال استخدام الأشكال الهندسية ودمج الحروف العربية والكاليغرافيا.
رسم الفنان المقدسي بورتريهات وحارات وعمران «القدس» خلال شبابه. لاحقاً، بدأ نضجه الفني من خلال اللوحات التجريدية، فضلاً عن قيامه بالعديد من الأغلفة لمجلات ودوريات مثل مجلة «شؤون فلسطينية» وسواها. أقام معارض شخصية في العديد من الدول العربية والغربية (القدس، عمّان، أبو ظبي، المنامة، بغداد، الرباط، باريس، موسكو، طوكيو، لندن، أوسلو، واشنطن، نيويورك وأمستردام).
أعماله تركّز على فكرة التقسيم في الهوية الفلسطينية والانسلاخ عن الأرض

لم يكتفِ بالرسم، بل أصر على أن يكون الفن بالنسبة إليه عملاً متكاملاً، فأجرى العديد من الأبحاث مثل بحثه حول الفنون الإسلامية في المغرب (وإسبانيا) التي سكنها لثلاثة أعوام (1993-1996)، كذلك أنجز بحثاً ميدانياً حول الرسم في فلسطين بعد الحقبة البيزنطية، فضلاً عن الكتب الثلاثة التي تناول فيها الفنون: «استحضار المكان: دراسات في الفن التشكيلي المعاصر»؛ «الشاهد الصادق: الأطفال الفلسطينيون يخلقون عالمهم من جديد» (بالإنكليزية)، و«الفن الفلسطيني من 1850 إلى يومنا الحاضر» (كذلك بالإنكليزية). أما في نشاطه الحالي الذي تستضيفه «دار النمر» في بيروت مساء اليوم، فإنه يتناول في محاضرته «سفر بين الشفافيات» ثيمات الهوية والمنفى في أعماله الفنية، خصوصاً أنه قضى معظم حياته مسافراً/ مرتحلاً (الولايات المتحدة، المغرب، فرنسا، برلين ولبنان)؛ تلك الهجرات التي أسهمت في تشكيل وعيه الفني وأعماله. تتزامن المحاضرة مع إصدار محدود لعمله «قصيدة» وهو عمل مطبوع حريرياً لصالح مركز بحثي فلسطيني يدعى «الشبكة»؛ وتحاكي فكرة «قصيدة» البناء الهندسي والإيقاعي للقصيدة العربية.

* «سفر في الشفافيات» محاضرة لكمال بلاطة: اليوم 18:30 ــــ «دار النمر للفن والثقافة» (كليمنصو) ـ للاستعلام: 01/367013