بغداد | الصحافيون في العراق هم الشريحة المستهدفة في كل حدث أصاب البلاد بعد التغيير. بدءاً من الاجتياح الأميركي عام 2003، مروراً بسنوات العنف الطائفي (2005 ــ2007)، وتظاهرات شباط (فبراير) 2011 المطالبة بحماية الحريات، وليس انتهاءً بأحداث حزيران (يونيو) الماضي، الأشد تأثيراً في البلاد.


فقدت الأسرة الصحافية العراقية خلال السنوات العشر الماضية نحو 390 شخصاً إلى ما قبل حزيران الماضي، وفي غضون الشهرين الماضيين تعرّض العديد من المراسلين، والمصوّرين الصحافيين، والعاملين في وسائل إعلام في الموصل وتكريت وديالى، إلى عمليات خطف وإعدام، كما شهدت تلك المدن عمليات هروب شبه جماعية للإعلاميين، أدت إلى توقّف محطات فضائية وصحف محلية عدة. «جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق»، المهتمة برصد ومتابعة الانتهاكات بحق أهل المهنة، تحقق في معلومات وردت قبل فترة من الموصل تفيد بخطف تنظيم «داعش» لعشرة من العاملين في قناة «سما الموصل» المموّلة من قبل المحافظة، واقتيادهم إلى جهات مجهولة. كما أصدرت في الآونة الأخيرة سلسلة بيانات تنعى فيها زملاء المهنة، وتطالب بحماية خاصة لهم، لا سيّما أنّ الظرف العراقي يتطلب نقل وقائع وحقائق تواجه الهجمة الإعلامية الشرسة للتنظيم الإرهابي، ومواجهة ذراع الإعلامي الرسمي. ويقول رئيس الجمعية عدي حاتم في حديثه إلى «الأخبار» إن «الجمعية رصدت اختطاف 12 صحافياً في كل من تكريت وديالى والموصل، أُعدم ثلاثة منهم، وما يزال مصير تسعة منهم مجهولاً حتى اللحظة»، موضحاً أنّ ثلاثة منهم أصيبوا بجروح مختلفة في ساحات القتال التي شهدت معارك ضارية في الآونة الأخيرة، بسبب سوء التنسيق مع القوات الأمنية الموجودة هناك.
وكان «مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي» (FBI) قد حذّر وكالات الأنباء العالمية من أن جماعة تابعة لـ«داعش» مكلّفة بـ«استهداف الصحافيين واختطافهم»، وفق ما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.
سهى عودة، صحافية عملت في العديد من وسائل الإعلام المحلية والعربية منذ سنوات عدّة. هجرت مدينتها الأم الموصل، بعد يوم واحد على فرض تنظيم «الدولة الإسلامية» سيطرته على أجزاء واسعة من محافظة نينوى، لكنها لا تزال تواصل نشاطها الصحافي، رغم وضعها النفسي السيّئ نتيجة تعرّض أهالي مدينتها للقتل والخطف والإعدامات المتكرّرة. تؤكد عودة لـ«الأخبار» أنّها ضاعفت نشاطها لكشف بعض الحقائق في الموصل، وباسمها الحقيقي، كتحدٍ صريح لـ«الإبادة» التي يتعرّض لها زملاؤها، مضيفة: «من بقي في المدينة من صحافيين ومدوّنين يضطرون للكتابة بأسماء مستعارة، وسط تكتم شديد، عقب بدء «داعش» بحملة اعدامات بحق النساء والأطباء والصحافيين».
وتابعت قائلة: «أتواصل مع ناشطين ومدونين لا يزالون ينشرون معلومات مهمة عن حالة القصف على مواقع التنظيم الإرهابي، وتحرّكاتهم، ووضع المدينة الخدمي والصحي، والإنساني، إضافة إلى معاناة النساء في ظل حكم المتشددين، والبدء بمصادرة بيوت السنّة بعدما صادروا مباني المسيحيين والشيعة».
على صعيد متصل، تبدو التغطيات الصحافية المفترضة في ساحات القتال المختلفة شمال وغرب بغداد في غاية الصعوبة، بالنظر إلى التركيبة العسكرية الجديدة، والمحسوبيات السياسية للفصائل العراقية المسلحة، إذ يُعرب نائب رئيس «النقابة الوطنية للصحافيين العراقيين» قيس العجرش، عن أسفه لعدم سماح القوات العراقية المختلفة، والحشد الشعبي المكوّن من فصائل مسلحة عدّة، بمرافقتها إلى ميادين القتال لنقل الأحداث.
وقال العجرش لـ«الأخبار» إن «هيئة الإذاعة البريطانية» (bbc) تمكنت من «إنتاج تغطية مرافقة بصعوبة بالغة، لأنّ الحكومة العراقية لم تغادر حالة الشك والتخوين للصحافة الغربية»، مشيراً إلى أنّ إجراءات منح سمة الدخول للصحافيين الأجانب «معقدة للغاية، ولا تتناسب مع الطبيعة الآنية والفورية التي يتطلبها العمل الإعلامي».
وتابع أنّ «النقابة تلّقت طلبات بتسهيلات لصحافيين أجانب، إلا أنّنا نواجه جدراناً صمّاء، لا تعي أهمية دور الإعلام في مثل هذه المرحلة».