خمسة أيام مرّت على إعلان السعودية "التحالف العسكري الإسلامي" الجديد لمحاربة "داعش"، وما زال الغموض يكتنف كل ما يرتبط به. الرتابة ــ التي كسرها تعجّب دولة من هنا وصدمةُ أخرى من هناك لعلمها عبر الإعلام بأمر انضمامها إلى التحالف ــ ساهمت التصريحات السعودية في مفاقمتها، خصوصاً في ظل تكرار المعزوفة نفسها، من قبل المسؤولين المنوط بهم الترويج لهذا "التحالف". أمس، جدّد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ما كان قد صُرّح به سابقاً، وهو أن "هناك خطة استراتيجية هي بمثابة غرفة عمليات مشتركة مقرّها في الرياض تعمل على مسارين، الأول أمني لتبادل المعلومات والتدريب والمعدات والقوات بين الأعضاء"، أما المسار الثاني فهو "فكري"، وفق الجبير، الذي قال إنه "قائم على مواجهة الفكر المتطرف بتكثيف الجهود على مختلف المستويات العلمية والدينية والفكرية والسياسية والمالية".
كلام لا يبدو مقنعاً بالنسبة إلى كثيرين، فضلاً عن الأسلوب الذي جرى من خلاله إعلان هذا التحالف، والتعليقات التي أعقبته، والتي أوحت بعدم جدية السعودية في ما تذهب إليه. ومع مرور أيام قليلة، وفي موازاة عدم حدوث أي خرق يُذكر ربطاً بتفاصيل مهمات الدول المنضوية في التحالف، راحت الانتقادات تجد طريقها إلى العديد من الصحف الغربية، التي بدأت تسجّل ملاحظاتها، استناداً إلى وقائع عديدة، دفعت بآدم تايلور في صحيفة "ذي واشنطن بوست" إلى أن يعقّب على التحرّك السعودي الجديد بأنه "لا معنى له". تايلور رأى أن "الرياض تسعى إلى إسكات الانتقادات الغربية التي ترى أن العالم الإسلامي لا يقوم بما فيه الكفاية لمحاربة الإرهاب والتطرف". إلا أنه أشار إلى أن "التفاصيل غير الواضحة المرتبطة بهذا التحالف، تركت البعض في حيرة من أمرهم، لأنهم لم يكونوا متأكدين من الدول التي انضمت إليه، وما هو عملها من ضمنه". ومن هذا المنطلق، تطرّق تايلور إلى ما يجول في ذهن كثيرين ويثير الاستغراب والانتقاد والسخرية في آن واحد، أي إلى أن "هناك بعض الدول في التحالف قد صرّحت بأنها لم تسمع به قط". لذا، كان من المسلّم به الإشارة إلى "باكستان، والحكومة الماليزية ولبنان، الذين أعلنوا أنهم لم يعرفوا إلا القليل عن التحالف الذي أُعلن أنهم من ضمنه".

بعض دول التحالف ليس فيها غالبية إسلامية رغم إعلان السعودية أن أعضاءه من العالم الإسلامي

فضلاً عن ذلك، لفت تايلور إلى ما غاب عن ذهن البعض، وهو أن "دولاً أخرى تعدّ جزءاً من هذا التحالف، ليس فيها غالبية إسلامية، رغم إعلان السعودية أن أعضاء هذا التحالف هم من العالم الإسلامي". وبناءً عليه، أوضح الكاتب أن "80 في المئة من سكان أوغندا من المسيحيين، بينما يشكل المسيحيون 75 في المئة من سكان الغابون. إضافة إلى أن الطائفة الأكبر في بنين هي الكاثوليكية، أما في توغو فغالبية السكان يتبعون ديانات محلية".
ما تقدّم لم يمنع الكاتب الأميركي من الإشارة، كذلك، إلى أن "أهم الدول الإسلامية في العالم، من بينها إيران والعراق وأفغانستان وأندونيسيا، ليست جزءاً في التحالف"، مضيفاً أنه "مهما كانت التأكيدات التي تقدمها السعودية بصدد عدم سنّية تحالفها، فإنه يمثل امتداداً للتحالف السنّي الذي حشدته للتسوية في اليمن"، ليؤكد، بناءً على هذه الفكرة، أن "القوة المحركة لهذا التحالف ليست إلا منافسة إيران، عوضاً عن مكافحة الإرهاب".
بالعودة إلى كلام الجبير، الذي نقلته صحيفة "الجزيرة" السعودية، أمس، فقد استجد في حديثه ما مفاده أن هذا "التحالف الإسلامي" لا يمنع التعاون مع التحالفات الدولية الأخرى في أي مكان في العالم إلى جانب الدول الإسلامية، مشيراً إلى أن عدداً من الدول الإسلامية المشاركة في هذا التحالف، كالسعودية والبحرين وقطر، تشارك في تحالفات دولية أخرى لمواجهة "داعش" في كل من سوريا والعراق.
قد يكون ردّ فعل رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي، على ما تقدم، منطقياً، ذلك أنه وصف التحالف السعودي الجديد بـ"الورقي"، مبدياً استغرابه من الإعلان عنه، ومشيراً إلى أن "الدول التي تحارب الإرهاب، وهي العراق وسوريا، غير موجودة، فكيف سيحارب هذا التحالف الإرهاب؟".
إلا أن كلام الجبير يفتح، كذلك، على تساؤلات أخرى طرحتها صحف غربية، منها "ذا غارديان" البريطانية، التي لفتت الانتباه إلى أن "الإعلان السعودي يأتي بعد أكثر من عام على قيام التحالف بزعامة الولايات المتحدة ضد داعش"، متسائلة كيف يمكن لتحالف جديد أن يدحر "داعش" إلى خارج الرقة. وانطلقت هذه الصحيفة في افتتاحيتها من واقع أن "الشكوك بشأن الدوافع السعودية للدعوة إلى هذا الائتلاف أمر مشروع"، لتوضح أن "المملكة قد تكون مهتمة، في الدرجة الأولى، بإنقاذ صورتها الدولية، التي تعرّضت لأضرار كبيرة جراء سجلها لحقوق الإنسان، وعقود من نشر الإيديولوجية المتطرفة"، التي ترى الصحيفة أنها "وصلت ذروتها في تنظيم داعش ذاته". وفي هذا السياق، أشارت "ذا غارديان" إلى أن البعض قد يساورهم القلق من أن يتزعم القتال ضد تنظيم "داعش" دولة تنفذ أحكام قطع الرأس، وتصدّر أفكاراً مشكوكاً فيها إلى الخارج، "حتى ولو كانت السعودية لا تقتل وتعبث في الشوارع الأوروبية كما يفعل داعش".