تبيّن تحليلات تقرير «التنمية الإنسانيّة العربيّة لعام 2009» أن مفهوم أمن الإنسان يوفر الإطار المناسب لإعادة تركيز العقد الاجتماعي في البلدان العربية على تلك الأولويات الحيوية (ولكن المهملة) الأكثر تأثيراً في رفاه المواطنين في هذه البلدان. فمع أن أحوال أمن الإنسان ليست متماثلة فيها، لا يستطيع أي بلد منها الزعم أنه قد تحرر من الخوف أو تحرر من الحاجة، أو أنه قد نجا من تداعيات انعدام الأمن في البلدان المجاورة.

وتعرض فصول التقرير مختلف التوجهات السياسية التي قد تنتهجها الدولة والمجتمع المدني والمواطنون الأفراد والأطراف الدولية، كلّ في مجال عمله، مع التوصية باتخاذ الخطوات الكفيلة بالتخفيف من هذه التهديدات والمخاطر. وفي هذا السياق، يؤكد التقرير الأهمية المركزية للعناصر الآتية:
1 ـــــ المحافظة على الأرض وصونها ورعايتها، وكذلك على المياه والهواء والبيئة التي تقوم عليها حياة شعوب البلدان العربية، في ظل الضغوط المتعاظمة في المجالات البيئية والسكانية والديموغرافية، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.
2 ـــــ ضمان الحقوق والحريات والفرص الأساسية دونما تفرقة أو تمييز، وذلك ما لا تستطيع تقديمه إلا دولة سليمة الإدارة وخاضعة للمساءلة ومتجاوبة مع مصالح مواطنيها وتحكمها القوانين العادلة، والتخفيف من وطأة النزاعات المتصلة بالهوية.
3 ـــــ اعتراف الدولة والمجتمع بسوء المعاملة والإجحاف اللذين تعانيهما كل يوم الفئات الضعيفة، ولا سيما النساء والأطفال واللاجئون في المنطقة، والعزم على تحسين أوضاعهم القانونية والاقتصادية والاجتماعية والشخصية.
4 ـــــ التخطيط لتدارك الضعف في الدعائم البنيوية للاقتصادات العربية التي تعتمد على النفط، والتخفيف من فقر الدخل، مع التحرك نحو إقامة اقتصادات منوّعة ومنصفة تقوم على المعرفة وتخلق فرص العمل وتحمي سبل العيش التي ستعتمد عليها الأجيال الآتية في مرحلة ما بعد النفط.
5 ـــــ القضاء على الجوع وسوء التغذية اللذين يواصلان انتقاص القدرات الإنسانية وهدر الحياة لملايين الناس وعرقلة مسيرة التنمية الإنسانية في أرجاء المنطقة العربية، ولا سيما البلدان الأكثر فقراً. فاقتصادات الأمن الغذائي في الاقتصاد العالمي تستدعي توجّهاً جديداً في تعريف الأمن الغذائي لا ينحصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي السيادي، بل يركز أكثر على تحقيق الكفاية في توفير السلع الأساسية لجميع أفراد المجتمع.
6 ـــــ الارتقاء بمستويات الصحة للجميع، باعتبارها حقاً من حقوق الإنسان وواحداً من المستلزمات الأساسية لأمن الإنسان ووسيلة تمكينيّة في سلسلة النشاطات الإنسانية. وتقابل أشواط التقدم المهمة التي قطعتها البلدان العربية في هذا الميدان إخفاقاتٌ سياسية ومؤسسية أدّت إلى التفاوت في الجودة وفي القدرة على الحصول على الخدمات الصحية.
7 ـــــ الإقرار السياسي خارج البلاد بأن انتهاكات حقوق الإنسان المستمرة التي تستهدف السكان في المنطقة العربية، والاعتداء على سيادة البلدان وحياة مواطنيها، إلى جانب القوى الإقليمية والعالمية، من الأمور المحكوم عليها بالفشل، ولا يمكن أن يقبل بها المجتمع الدولي ولا المواطنون في البلدان العربية. وأدّت هذه النزاعات إلى أضرار وخسائر فادحة جرّاء استخدام القوة ضد السكان، مع الاستهانة بحياة المواطنين، كما أظهر العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.
أمّا بالنسبة إلى التهديدات الرئيسيّة المُدرَكة، فهناك تفاوت كبير في شأن أولويّاتها وفقاً للاستطلاع الذي أجري في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة والكويت ولبنان المغرب. وتظهر مشكلة أمن الإنسان ودورها المعوّق للتنمية جليّة في تعبير أكثر من 50 في المئة من المستطلعة آراؤهم، في بلدين من البلدان الأربعة، عن شعورهم بانعدام الأمن الكلّي في ظلّ الظروف التي يعيشونها.
ويظهر التفاوت جلياً في موضوع خطر «غياب الحماية الاجتماعيّة»، حيث بلغت نسبة الأفراد الذين عدّوا هذا المعطى تهديداً رئيسياً، 71 في المئة و73.4 في المئة في لبنان والأراضي الفلسطينية على التوالي، فيما تتراجع تلك النسبة إلى صفر في المئة في الكويت والمغرب!
(الأخبار)