تركّز الصين حالياً على تنمية الطلب الداخلي لتحفيز اقتصادها بعدما تأذّت كثيراً من جرّاء تداعيات الأزمة الاقتصاديّة على التجارة الدوليّة. ففي نيسان الماضي انخفضت صادراتها للشهر السادس على التوالي، بنسبة 22.6 في المئة. لكن مصالح البلد الشيوعي في الخارج تبقى في مجال حيوي أبرز: الطاقة والسيطرة الماليّة. وبعد أفريقيا، تبدو أميركا اللاتينيّة مثالاً حياً


بول الأشقر
أخطأت هيلاري كلينتون عندما شملت الصين مع روسيا وإيران في ما صنّفته «خرقاً مربكاً» في أميركا اللاتينية. فعلى أهمية المصالح الاقتصادية الروسية والإيرانية، يبقى مفتاح وجودها سياسياً، أو حتى عسكرياً في الحالة الروسية. الحالة الصينية مميزة، وهي محض اقتصادية، ولا تخشى حتى التنسيق مع الولايات المتحدة، كما تدلّ الاجتماعات الدورية التي يعقدها مسؤولا «قطاع أميركا اللاتينية» في وزارتي خارجيّة البلدين. وفي ما يلي بعض النماذج عن الأهمية التي بدأت تأخذها الصين في المنطقة.

«سواب» مع الأرجنتين

فيما كان زعماء مجموعة الدول العشرين الكبرى (G20) مجتمعين في لندن في بداية الشهر الماضي، وبينهم الزعيمان الصيني والأرجنتيني، لإقرار إصلاح النظام المالي العالمي وإعادة هيكلة صندوق النقد الدولي ورسملته، كان مصرفا الصين والأرجنتين المركزيّان يوقعان اتفاق «سواب» بين عملتيهما بقيمة 10,2 مليارات دولار، وهو اتفاق يضع فيه كل بلد بتصرف الآخر وبعملته ما يوازي تلك القيمة. في الواقع، هي الصين التي تضع هذا «القرض» الذي لا تُدفع عليه فوائد في حال عدم استعماله، بتصرف البلد اللاتيني. أهميّة الخطوة ليست بفرادتها، فمنذ اندلاع الأزمة المالية، عقدت الولايات المتحدة اتفاقات مماثلة مع دول عديدة، وكذلك الصين في آسيا. وقبل أيام معدودة، عقدت البرازيل والأرجنتين اتفاقاً مماثلاً بينهما بقيمة 1.5 مليار دولار. وعمليات الـ«سواب» بين مصارف الدول المركزية هي تسهيلات مالية وليدة عمق الأزمة والشكوك المستمرة حول تطوّرها والصعوبات المتوقعة للحصول على التسليفات الدولية. لكن أهمية الخطوة تكمن في توقيتها: إنها رسالة توصلها الأرجنتين لصندوق النقد بأنها تتمتع بهامش من المناورة للوصول إلى مصادر تمويل أخرى ولن تنتظر إصلاحاته ولا شروطه. أما الصين، فوقع رسالتها مدوٍّ حول لامحدودية دورها الاقتصادي الذي لم يعد ممكناً حصره في قارة ولا في منطقة نفوذ.

شريك البرازيل

في قمّة الـ«G20» نفسها، عرض الرئيس البرازيلي لويس أغناسيو لولا دا سيلفا على زميله الصيني، هيو جينتاو، التخلي عن الدولار في العلاقة التجارية بين البلدين. وللبحث صلة في الزيارة المهة التي يقوم بها لولا إلى الصين بعد أسبوع.
وأتى عرض لولا قبل أرقام نيسان الفائت، حيث تحولت الصين إلى أول شريك للبرازيل في التجارة البينيّة التي تشمل الصادرات والإيرادات: 3,2 مليارات دولار أمام الولايات المتحدة بـ2,8 مليار. وهذه المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ عام 1930 عندما حلّت الولايات المتحدة محل بريطانيا التي كانت قد حلّت بدورها محل البرتغال. إنه مؤشر قوي قد يتجدد مراراً، لأن الصين قد تحولت فعلياً قبل سنوات قليلة إلى الدولة الثانية في التجارة البينية مع أميركا اللاتينيّة بعد الولايات المتحدة وقبل أيّة دولة أوروبيّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ حجم التجارة بين الصين وأميركا اللاتينية كانت لا تتعدّى مليوني دولار عام 1950، أمّا الآن فهي تخطّت عتبة 140 مليار دولار. وإلى الجنوب، تنتظر الصين من فنزويلا أن يتوافر لها بعد 5 سنوات مليون برميل نفط يومياً بالمقارنة مع 380 ألف برميل حالياً. ولإدراك هذا الرقم الطموح (يُقال في أميركا الجنوبية إنّ الرئيس الفنزويلي، هوغو تشافيز، «يريد أن يغذّي التنين») اتفقت بكين وكاراكاس على بناء محطات تكرير فنزويلية على الأراضي الصينية وأسطول تجاري مشترك بواسطة صندوق مالي وصلت قيمته حتى الآن إلى 12 مليار دولار، تُسهم الصين بتمويله بنسبة الثلثين وبأكثر من هذه النسبة في ما يخص التكنولوجيا.

توقّعات

إذاً فمع اشتداد الأزمة والمنافسة الدوليّة، تعطي الصين (وللحقيقة مجمل آسيا) على الأمد القصير أهمية مضاعفة بالنسبة إلى أميركا الجنوبيّة. وتطمح الدول الأكثر تقدماً في القارّة اللاتينيّة مثل البرازيل أو التشيلي (التي تعاني أيضاً من كثافة العرض الصناعي الصيني) إلى أن يتنوع الطلب الصيني مع ازدياد حجمه، فلا يبقى البلد الأوّل مجرّد مصدّراً للصويا والسيلولوز والوقود والثانية للنحاس. والفسحة متوافرة، فالبرازيل مثلاً لا تمثل إلا 1 في المئة من مجمل إيرادات السوق الصينية. إلا أن الأهم يكمن في تحول الصين إلى مستثمر خارجي في المنطقة: استثمارات التنقيب النفطي والمعدني وفي البنى التحتية يشير منذ الآن إلى حرصها على ضمان وصول تلك المواد الأوليّة التي تحتاج إليها صناعاتها. أكثر من ذلك وأكثر حتى من الذي حصل في أفريقيا، قد تتحول الآن أميركا اللاتينية إلى مختبر جديد خارج آسيا لحقبة تحوّل الشركات الصينيّة إلى شركات صينية «متعددة الجنسيّة».



بنك الجنوب

بعد مفاوضات دامت 5 سنوات، أبصر النور «بنكو ديل سور» (بنك الجنوب) بموافقة 7 وزراء اقتصاد، والآن سيُعرض المشروع الذي تقدم به أساساً الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، على المجالس النيابية لإقراره. ويتألف رأسمال البنك من 7 مليارات دولار أسهمت كل من البرازيل والأرجنتين وفنزويلا بملياري دولار منها، وكل من الأوروغواي والإيكوادور بـ400 مليون دولار وكل من الباراغواي وبوليفيا بـ100 مليون دولار. وتتمتع كل دولة بصوت في مجلس الإدارة، على أن تتطلّب المشاريع التي تتخطى قيمتها 70 مليون دولار موافقة ثلثي الاكتتاب برأس المال.