strong>أدّى قرار «أوبك» الإبقاء على حجم إنتاج النفط ثابتاً إلى تراجع الأسعار حوالى 4 في المئة. ولكن المنظّمة الدوليّة، وعلى رأسها السعوديّة، تريد أسعاراً أعلى، «بين 60 و75 دولاراً» لأنّ الوقود الأحفوري يبقى حيوياً لعقود مقبلة، لذا فهي بعد قرارها «الحسّاس»، على حدّ تعبير وكالة الطاقة الدوليّة، ستقرّ خفضاً جديداً لكنْ بناءً على «توصيات» قمّة مجموعة العشرين!

في هذه الأوقات الاقتصاديّة الصعبة على الصعيد العالمي، ترتفع وتيرة «الصراع» بين منظّمة الدول المصدّرة للنفط، «أوبك» والبلدان الصناعيّة، المستهلك الأوّل للوقود. فقد تصاعدت التحذيرات قبيل مؤتمر «أوبك» في فيينا أوّل من أمس، بشأن «خطورة» إقرار خفض جديد للإنتاج في ظلّ المؤشّرات الدوليّة، لأنّ السعي إلى رفع الأسعار لن يؤدّي سوى إلى تفاقم موجة الركود العالمي وفقاً لوكالة الطاقة الدوليّة.
«أوبك» ارتأت أن تترك مجالاً للحوار وأبقت على إنتاجها الذي يمثّل 40 في المئة من النفط المنتج عالمياً، ثابتاً. وهي خطوة أدّت مباشرة إلى تراجع الأسعار (سعر البرميل في سوق العقود المستقبليّة في نيويورك) بنسبة 4 في المئة. ولكن وزير النفط السعودي، علي النعيمي، «سعيد» بالقرار الذي اتخذ. لماذا؟ لأنّ الخفض الآن في ظلّ موجة التباطؤ العالمي سيؤدّي فقط إلى تراجع عائدات بلدان المنظّمة وليس بالضرورة إلى تراجع الأسعار.
ومبعث السعادة أيضاً يكمن في أنّ اجتماع 28 أيّار المقبل سيكون حاسماً. بمعنى أنّه إذا لم ترتفع الأسعار إلى المستويات التي تريدها «أوبك» وترا أنّها «عادلة»، فإنّ موجبات إقرار خفض جديد، بعد الـ4.2 ملايين برميل يومياً التي اقتطعت منذ أيلول الماضي، ستكون أكبر. كما أنّ الاجتماع المقبل سيأتي بعد قمّة مجموعة الدول العشرين الكبرى (G20) في لندن في 2 نيسان المقبل، وهنا ستكون متاحة أمام المنظّمة هوامش لدراسة عوامل السوق والركود.
وبطريقة أكثر مباشرة تريد السعوديّة، بصفتها المنتج الأكبر في «أوبك» والعالم، سعراً للبرميل يراوح بين 60 دولاراً و75 دولاراً، لأنّه «إذا أردنا تطوير مصادر الموارد النفطيّة حول العالم، فإنّ سعر 40 دولاراً ليس كافياً»، وفقاً للنعيمي الذي نقلت تصريحاته وكالة «أسوشييتد برس» على هامش مؤتمر للطاقة في جنيف.
فالوقود الأحفوري سيبقى، بحسب رأي النعيمي، يؤدّي دوراً أساسياً في توفير حاجات العالم من الطاقة ويمثّل 80 في المئة من موارد الطاقة «للعقود القليلة المقبلة على الأقل». ولكن على البلدان الغنيّة بالنفط زيادة استثماراتها فيه لجعل الإنتاج أكثر فعاليّة ومستداماً بيئياً.
وحذّر النعيمي من أنّه «لا عذر لعقد آمالنا على (مصادر الطاقة) البديلة التي تمثّل اليوم طاقة إضافيّة (فقط)، حين يتعلّق الأمر بتحسين مستقبلنا الطاقوي». ففيما أيّام «النفط السهل» ولّت فإنّ «أيّام النفط كمصدر أساسي للطاقة للبشر حول العالم بعيدة من الانتهاء».
ولكن فيما تقول «أوبك» إنّ زيادة الاستثمارات في إنتاج النفط عمليّة غير ممكنة في ظلّ الأسعار الحاليّة، تشدّد وكالة الطاقة الدوليّة على أنّه لا أعذار لعدم إطلاق أو استكمال تلك الاستثمارات في المرحلة الحاليّة.
وهنا يتّضح حجم الفجوة بين أكبر منتجي النفط وأكبر مستهلكيه. فرغم أنّ «الوكالة»، وعلى لسان رئيسها نوبوو تاناكا، وصفت قرار «أوبك» بالإبقاء على الإنتاج ثابتاً بأنّه «حسّاس» لأنّ متّخذيه «أخذوا بعين الاعتبار حالة الاقتصاد العالمي» فإنّ قرار المنظّمة المقبل لن يعجب أبداً الوكالة لأنّه في ظلّ الإحداثيّات القائمة في السوق ستضطرّ المنظّمة إلى خفض الإنتاج خفضاً كبيراً وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» عن الأمين العام للمنظّمة عبد الله البدري.
فالالتزام من جانب البلدان الـ12 الأعضاء في «أوبك» بنسبة 100 في المئة بخفوضات الإنتاج التي أقرّت سابقاً غير ممكن لأسباب تقنيّة. ولكن وصول نسبة احترام الحصص إلى 80 في المئة قد يساعد على خفض الفائض في السوق الذي أدّى منذ الصيف الماضي إلى تراجع الأسعار بنسبة تفوق الـ70 في المئة مقارنةً بمستوياتها التاريخيّة العليا.
وحذّر البدري من أنّ استمرار انخفاض الأسعار سيؤدّي إلى إلغاء أو تجميد مشاريع استثماريّة أخرى في القطاع النفطي، إلى جانب تلك التي أجّلت أصلاً، والتي يبلغ عددها 35 مشروعاً. غير أنّه أكّد في الوقت نفسه أنّ انخفاض أسعار النفط يؤدّي إلى تحفيز الاقتصاد العالمي بواقع تريليوني دولار. ولكن «لا يمكن تحمّل الأسعار المنخفضة مثلما لا يمكن تحمّل الأسعار المرتفعة».
إذاً فالصراع على الأسعار والاستثمارات النفطيّة بين المنظّمة والوكالة يتصاعد، وقد تكون قمّة «G20» حاسمة فيه، لأنّها ستؤثّر جدياً في قرار «أوبك» في أيّار. ولكن إن بقيت السوق تخذل المنظّمة الدوليّة فعليها انتظار انتعاش الاقتصاد العالمي حتّى 2010. وستؤجّل أو تلغى مشاريع استثماريّة كثيرة ليعود ويرتفع السعر بسبب قلّة الإنتاج لا العرض!
(الأخبار)



إشارات إيجابيّة

ألقى الأمين العالم لـ«أوبك»، عبد الله البدري، باللائمة على الولايات المتّحدة والبلدان الصناعيّة المتقدّمة في الركود الاقتصادي العالمي، مشدّداً على أنّ منظّمته قامت بدورها. وقال البدري «لم نلاحظ أيّة تدابير اتخذتها البلدان التي خلقت هذه المشلكة. (فرغم) العديد من خطّط التحفيز وخطط الإنقاذ لم نرَ أيّة إشارات إيجابيّة». وتعدّ تصريحات البدري الأولى من نوعها، فهو انتقد أيضاً منتجي النفط من خارج «أوبك» وحذّرهم من أنّه يجب ألّا «يستغلّوا» منظّمته، وفي ذلك إشارة إلى روسيا التي رفضت دعوات «أوبك» لخفض الإنتاج.