يوم الجمعة الماضي، عاد سعر أونصة الذهب يغازل حاجز الألف دولار، مع تراجع الأسهم في البورصات الأساسيّة في العالم إلى مستويات هي الأدنى منذ 6 سنوات. التطوّر يطرح أسئلة كثيرة عن المعدن الثمين: هل يمكن التعويل على صفته ملجأً آمناً كما تفعل نساء الهند؟ أم أنّ الاحتماء فيه من العاصفة الماليّة الهوجاء هو مؤقّت؟


نيويورك ـ نزار عبود
ليس مستغرباً في زمن الكساد أن يعود سعر أونصة الذهب إلى مستوى ألف دولار، أي المستوى نفسه الذي بلغه في آذار 2008. فكل العملات الرئيسية تبدو غير مستقرة، وإذا صعد الدولار اليوم مقابل اليورو أو الين، فإن الصعود معرض للانكفاء عند أيّة انعطافة في المؤشرات الرئيسية الكثيرة التي تفاجئ الجميع، أو عند أوّل خبر عن إفلاس مصرف يقع. وما أكثر هذه الأخبار في أيامنا هذه، بينما مطابع العملات وحدها لا تعرف الركود، وتعمل آلاتها ليل نهار منتجة تريليونات لتغطية المصارف والشركات المتعثرة. إلا أن التغطية قد تبقى ورقية إذا لم تدبّ الحياة في النمو الاقتصادي.
التاريخ أظهر أن الذهب يتقلب كثيراً. وآخر «مقلب» لحق بالمستثمرين في الذهب استمر منذ عام 1980 وحتى عام 1999 حين بدأ ينتعش. غير أن المدافعين عن الاحتماء بدفء الذهب يقولون إن المعدن الأصفر لن يدوم طويلاً، وإنّ الإنتاج يتضاءل، بينما الطلب الصناعي عليه يرتفع، ويتوقعون نضوب المناجم بعد أقل من نصف قرن.
لذا لا بد من مراجعة تاريخيّة لمعرفة أنماط سلوك سوق الذهب وتقلباتها. وهنا يبدو التركيز أساسياً على مرحلة بداية ثمانينيّات القرن الماضي، حين وصل السعر في 21 كانون الثاني 1980 إلى 850 دولاراً للأونصة. غير أنه سرعان ما تدهور وواصل انحداره لعقدين من الزمن. واستمر الهبوط في سعر الذهب والنفط معاً حتى وصلت الأونصة إلى 252.90 دولاراً في 21 حزيران 1999.
مرة أخرى شهد 17 كانون الثاني 2008 أعلى ارتفاع تاريخي اسمي في قيمة الذهب لتصل الأونصة إلى 1023.50 دولاراً، وهو سعر أدنى بكثير من ذاك الذي بلغه في 1980 (بعد احتساب معدّلات التضخّم). بذلك يكون سعر الأونصة قد ارتفع 400 في المئة عمّا كان عليه قبل 10 أعوام. لكن بعض المحلّلين يرون أن السعر معرض للصعود إلى 2450 دولاراً لكي يعادل أعلى قيمة بلغتها الأونصة قبل 30 عاماً.
والملاحظ هنا أن سعر المعدن الأصفر كان يهبط مع هبوط النمو الاقتصادي إلى جانب سعر النفط. فهو في نهاية المطاف معدن يستخدم في الصناعة. وأي هبوط في الإنتاج الصناعي من شأنه التأثير على الطلب عليه.
الولايات المتحدة تمتلك 3 في المئة من مجموع الذهب المكدس في العالم في مجلس الاحتياطي الفدرالي في مدينة نيويورك من أصل نحو 4 آلاف طن. وقد باعت الكثير من المصارف المركزية، على رأسها المصرف المركزي البريطاني، كميات ضخمة من الذهب في التسعينيات من القرن الماضي واستخدمتها في إنعاش الاقتصاد. وهناك احتمال أن تلجأ المصارف المركزية إلى تكرار العملية في هذه المرحلة مستفيدة من الأسعار المرتفعة.
لكن أكبر كمية ذهب موجودة لدى سيدات الهند. فهنّ يحتفظن بنحو 15 ألف طن حليّاً. واليوم تتزاحم السيدات على بيع حليّهن عقب بلوغ الأونصة حافة الألف دولار.
جنوب أفريقيا تربعت على عرش الدول المنتجة للذهب حيث توفّر 50 في المئة من الإنتاج العالمي. وللمرّة الأولى منذ عام 1905 استطاعت الصين تجاوز إنتاج جنوب أفريقيا ليبلغ إنتاجها 276 طناً في عام 2007. تليها دول أخرى كثيرة مثل أوستراليا وروسيا والبيرو والولايات المتحدة وعدد من دول أميركا اللاتينية مثل التشيلي والأرجنتين.
وتتبدل كلفة إنتاج الذهب بحسب المناجم وعمقها وأعمارها وكمية الإنتاج في عام واحد قياساً بالطلب. لكن كلفة إنتاج الأونصة الواحدة عالمياً قُدّرت بحساب عام 2001 بنحو 238 دولاراً. حينها بلغ الإنتاج 2604 أطنان، وكانت تمثّل 67 في المئة من الطلب العالمي. غير أن الإنتاج هبط إلى 158 ألف طن في 2006، وهذا يعني أن كلفة الأونصة كانت أعلى بكثير في ذلك العام.
من جهة أخرى، إنّ الكثير من مصادر الذهب لا تزال خارج سيطرة الإنسان، في مياه البحار والمحيطات. ولم تُضخّ استثمارات كثيرة لاستخراج التِّبر من الماء بسبب الكثافة الضئيلة للمعدن النادر في الماء. لذا يستبعد الخبراء التوصل إلى تكنولوجيا قادرة على استخراج الذهب من البحر بكلفة مناسبة في المستقبل القريب. وإذا ما توصلوا إلى هذه التكنولوجيا في هذا الزمن، فإن أسعار الذهب ستكون معرضة للهبوط السريع، ربما بدون كوابح.
لكن حتى يأتي ذلك الزمن يبدو أن بريق المعدن الأصفر سيزداد تألقاً مع نضوب المناجم الحالية، إذ إن خبراء الصناعة يقدّرون أن عصر الذهب قد يستمر لمدة لا تتجاوز 45 عاماً، أي أقل بكثير من عمر حقول النفط التي قد تستمر زهاء 100 عام. وعليه فإن الاحتفاظ بالمعدن الأصفر قد يكون مجدياً للتخزين للعقود المقبلة.



القيمة الفعليّة

قبل طباعة الأوراق النقدية، كانت القطع النقدية الذهبية والفضية هي الأساس لأنها تحتوي على قيمة عينية ثابتة. وعندما طبعت العملات الورقية قُدّرت قيمة أونصة الذهب حتى عام 1934 بـ20.67 دولاراً. لكن الأمور تبدلت في أعقاب مرحلة الكساد العظيم، وأدرك المصرف المركزي الأميركي أن قيمة الذهب ارتفعت مع تدهور حجم الاقتصاد، فارتفع سعر الأونصة إلى 35 دولاراً. لكن تثبيت السعر لم يعد ممكناً، وفي عام 1967 أصبح هناك سعران للذهب ضمن نظام استمرّ حتّى عام 1975 عندما سمح بتحديد سعر المعدن بآليّة العرض والطلب.