على الرغم من أن الأمين العام السابق لحزب «نداء تونس»، محسن مرزوق لم يجزم بضرورة بعث حزب جديد، إلا أنه أشار إلى توافر كل مقومات بعث هذا الحزب، مستشهداً بما عرفته الاجتماعات الأخيرة للنساء والشباب والإطارات والنواب المؤيدين للمسار الجديد من إقبال وديموقراطية وحرية في التعبير. حدد مرزوق أهداف المولود الجديد إذا ما بعث بأنها تتلخص بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع «نداء تونس»، مع الانفتاح على كل المعنيين في المشروع الوطني العصري.
لم يطل الأمر حتى أعلن مرزوق مع 20 نائباً من كتلة «نداء تونس» استقالتهم من الحزب والشروع في التفكير ببناء حزب جديد بعد أسابيع فقط من استقالة مرزوق من منصب الأمين العام بعد تعذر حل الأزمة بين الجناح الذي يقوده من جهة وجناح موال لحافظ قائد السبسي نجل رئيس الجمهورية حول طريقة إدارة الحزب ومدى شرعية الهياكل الحالية غير المنتخبة رغم المخارج التي حاولت «لجنة الـ13» التي شكلها الرئيس عبرها حل الخلاف.
ولاقت الاجتماعات التي عقدها فريق محسن مرزوق خلال الأسبوعين المنقضين نجاحاً تنظيمياً، حيث حضر الاجتماع الأول المخصص للمرأة زهاء 2000 عضوة من القيادات الحزبية، كذلك حُشد نحو 1000 شاب من شباب الحزب في الاجتماع الثاني. وكشف عضو المكتب التنفيذي الموسع لـ«نداء تونس» المستقيل، فادي بن صالح، أن عدداً كبيراً من قيادات الصف الأول في «نداء تونس» انسلخت عن فريق حافظ قائد السبسي لتشكل النواة الأولى للحزب الجديد. وقدّر بن صالح في تصريح لـ«الأخبار» عدد المنسحبين من المكتب التنفيذي (الهيكل المؤسس للحزب) بنحو 90 عضواً من مجموع 120، فيما انسحب من المجلس الوطني للحزب أكثر من 150 عضواً، إضافة إلى انسحاب معظم المنسقين الجهويين الذين كان لهم دور في استمالة القواعد في كل محافظات تونس.
ويشير إلى أن نجاح اللقاءات الأخيرة لمرزوق مع قواعد الحزب التي جمعت القيادات المؤسسة للحزب والتي دافعت عن مشروع الحداثة والتطور ليس إلا دليلاً على أن الحزب الجديد سيكون حاملاً لمشروع ناجح.
يذكر أن «نداء تونس» الذي تأسس في عام 2012 ينشط فيه قرابة 115 ألف عضو.

لاقت الاجتماعات التي عقدها فريق محسن مرزوق مع قواعد الـ«نداء» نجاحاً تنظيمياً

وكان القياديون المنسحبون قد أكدوا أن الانفصال يأتي لـ«ضرورة التصدي للمسار غير الديموقراطي القائم على التعيينات بالولاءات والمساومات والمماطلة والإقصاء وإنتاج الانحرافات والذي يستهدف تصفية المبادئ والأهداف التي انبنى عليها المشروع الوطني العصري لحركة نداء تونس».
وأعلن البيان إطلاق مسار إعادة تأسيس «المشروع الوطني الأصلي المتواصل مع فكر رئيس تونس الأول الحبيب بورقيبة»، كذلك دعا إلى الحسم في مسألة تأسيس حزب جديد قبل 10 كانون الثاني القادم.
كذلك استقال 20 نائباً من كتلة «نداء تونس» البرلمانية التي تضم 86 نائباً، ويؤكد المتحدث باسم الكتلة المستقيلة عبادة الكافي أنهم حسموا أمر استقالتهم من الكتلة، وأن عدداً آخر من النواب سيلتحق بهم.
وحول أسباب الاستقالة، شدد الكافي في تصريح لـ«الأخبار» على أنهم أمهلوا مسؤولي «النداء» وأعطوهم إمكانية لإصلاح الأوضاع داخل الحزب، مستدركاً أن النية لم تكن جادة في إصلاح حقيقي ولم شمل كل قيادات الحزب، «وهو ما دفعنا إلى بتّ مسألة انسلاخنا عن كل هياكل الحزب ومؤسساته».
ووصف الكافي الوضع داخل الحزب الحاكم بأنه وضع محتقن تغيب فيه الديموقراطية وتأخذ فيه القرارات من خارج الحزب لتفرض على الهياكل دون نقاش أو معارضة، مشيراً إلى أن «نداء تونس» بات اليوم غير قادر على خلق التوازن، فمشروعه الذي انتخبه التونسيون من أجله اضمحل واختفى، مضيفاً أن المشروع ذاته سيقع تمثيله في الحزب الجديد الذي سيجري تكوينه.
ويذهب المتحدث باسم الكتلة البرلمانية المستقيلة عبادة الكافي إلى حد اعتبار أن مشروع «نداء تونس» أصبح يتماهى مع مشروع حركة النهضة الإسلامية، مذكراً بأن «نداء تونس» خاض الحملة الانتخابية ضد مشروع «النهضة» وتوجهاتها وختم: «سنعود لثوابت مشروعنا الحدثي وللبرنامج الذي وعدنا به التونسيين».
من جهته، رأى أسامة الخليفي القيادي في «نداء تونس» والمحسوب على فريق حافظ قائد السبسي، أن استقالة محسن مرزوق وعدد من القيادات في الحزب استقالة عادية ليس لها أي أي تأثير في استحقاقات الحزب الانتخابية أو استحقاقات الحكم الآنية، قائلاً إن «نداء تونس أكبر من أن يتأثر باستقالة بعض الأشخاص».
وأشار الخليفي في تصريح لـ«الأخبار» إلى أن كل قيادات الصف الأول في «نداء تونس» ساندت خريطة الطريق التي تقدمت بها «لجنة الـ13»، مبيّناً أن هذه اللجنة التي دعا لها رئيس الجمهورية أجرت مقابلات مع أكثر من 100 قيادي من كل الهياكل والروافد وقامت باستشارة واسعة وصدّقت الأغلبية على خريطة الطريق المعلنة.
وفي خضم ما يحصل، وقفت حركة النهضة الإسلامية موقف الحياد تجاه الأزمة داخل «نداء تونس»، وكانت معظم تعليقات قيادات الحركة تؤكد أنه شأن حزبي داخلي لا يعنيها، إلا أن بعض التصريحات غير الرسمية بيّنت أن «النهضة» اختارت «فريقها» داخل «نداء تونس»، وهو ما كشفه القيادي في «النهضة» أبو يعرب المرزوقي الذي رأى أن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، يساعد في خروج من وصفهم بـ«الاستئصاليين» (يقصد فريق محسن مرزوق) من الحزب، ويمهد للمصالحة مع «النهضة». وشدد المرزوقي في مقال نشره على صفحته على موقع «فايسبوك» أن السبسي «يعلم أن المعركة مع الإسلاميين معركة خاسرة في المدى الطويل، حتى وإن بدوا قد ربحوها في المدى القصير، وهو يعلم أن هذه المعركة - حتى لو سلم لخصومه الذين يستأنسون بتجربة السيسي في مصر بأنها مربوحة - ستكون طويلة لأن الجيش والأمن التونسيين ليسا مثل ما يوجد في مصر».