يوم مالي صعب عاشته البورصات الخليجيّة، أمس، بعد هبوط مؤشّرات الأسهم في بعض الأسواق الماليّة أكثر من 4 في المئة. عمليّة محت الأرباح المحقّقة خلال العام الجاري، وتعدّ نتيجة لاختلالات عديدة بينها الضغط الذي يفرضه التقنين على المستثمرين، إضافة إلى «عدوى» تراجع البورصات العالميّة


حسن شقراني
من بين الفوائد التي لفت المراقبون إلى أنّها ستنتج من قرار السلطات الماليّة السعوديّة السماح لمستثمرين أجانب الولوج، وإن بطريقة غير مباشرة، إلى الأسهم في البلد الإسلامي، هي عمليّة تقليص الهشاشة. ما يعني أنّ الأموال الجديدة، التي يفترض أنّها ليست ساخنة ولن تستخدم في المضاربة، ستؤدّي إلى تقليل تداول التجزئة الذي يعتمد على الحدس والتوقّعات الشخصيّة التي سرعان ما تتحوّل إلى وقائع تدفع مالكي الأسهم نحو خيارات ترفع أو تخفض أداء الأسوق بشكل سريع وغير احترافي. وذلك الإجراء السعودي عُدّ خطوة أولى نحو تطوير «تداول» باتجاه شكل أكثر حداثة من الأسواق الماليّة.
ولكن التطوّر المالي في السعوديّة، كما هي الحال عليه في الأسواق الماليّة الخليجيّة الأخرى، يمرّ بعقبات كثيرة، تدفع الأسهم طوراً نحو الارتفاع السريع، وطوراً آخر نحو هبوط حاد. وتماهياً مع هذا النمط، أنهت أسواق الأسهم في الإمارات العربيّة المتحدة تداولات شهر آب الماضي، على انخفاض قيمته 11.4 في المئة في المؤشر العام منذ بداية عام 2008، مقارنة مع العام الماضي.
وانخفض المؤشّر إلى 5325 نقطة. وبلغت الخسائر 94،6 مليار درهم (52،7 مليار دولار) مع وصول القيمة السوقيّة إلى 752،8 مليار درهم (205 مليارات دولار) بعد خصم الخسائر وإضافة القيمة السوقية للشركات التي أدرجت خلال العام الحالي وكذلك الأسهم الجديدة للشركات القائمة في إطار عمليات زيادة رأس المال.
وفي هذا السياق، سجّل يوم أوّل من أمس مواصلة سوق الكويت للأوراق المالية هبوطها بخسارة نحو 184 نقطة تضاف إلى 234 نقطة خسرتها في اليوم السابق، لتبلغ الخسائر الإجماليّة خلال يومين، 5 في المئة، أي بما يساوي أكثر من ملياري دينار (7.4 مليارات دولار) من إجمالي القيمة السوقية للأسهم المدرجة.
وهذا التراجع امتدّ نحو بورصات أخرى أمس. وانخفض مؤشّر «MSI»، في سلطنة عمان أكثر من 4.3 في المئة، ليهبط إلى 8784 نقطة، لتنمحي بالتالي جميع الأرباح المحقّقة خلال العام الجاري، ويستقرّ المؤشّر عند مستوى أقلّ بـ28 في المئة من القياسي التاريخي المحقّق في حزيران الماضي.
وكذلك، فإنّ السوق المالية في قطر لم تشهد تداولات إيجابيّة أمس. وانخفض مؤشّر «QSI»، بنسبة 2.26 في المئة إلى 10014 نقطة. وانخفض المؤشّر الأساسي في الدوحة بنسبة 21 في المئة منذ ارتفاعه القياسي خلال عامين ونصف العام، في حزيران الماضي.
إذاً، فالسوق الماليّة في قطر تنضمّ إلى نظيراتها في السعوديّة وسلطنة عمان ودبي، وتعاني في بيئة تداولات صعبة، تحدّدها عوامل عديدة معقّدة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى ناجمة عن الطبيعة البدائيّة للأسواق، والتداول الذي تحتضنه.
وبالنسبة إلى الإمارات العربيّة المتّحدة، تنقل مؤسّسة «THOMPSON REUTERS» عن خبراء اقتصاديّين استطلعت آراءهم، إشارتهم إلى أنّ الهبوط الأخير في قيمة الأسهم المدرجة في بورصة دبي، يعود إلى الإجراءات التطهيريّة التي تتّخذها السلطات الاقتصاديّة في الإمارة من أجل ملاحقة قضايا الفساد، والقضاء على مفاعيل الأموال الساخنة، التي دفعت سوق العقارات نحو مستويات قياسيّة. وتلك الإجراءات دفعت المستثمرين إلى التخلّي عن الأسهم.
ولكن على أي حال، فإنّ هذه العمليّة تتزامن مع تطوّرات أخرى تصعّب التداول في بورصات الخليج. ومن بينها، يظهر هرع المستثمرين إلى بيع أسهم شركات البلدان النامية، ومعها يُتخلّى عن الأسهم الخليجيّة. وفي هذا الصدد، تنقل «رويترز» عن المدير المالي في مؤسّسة إدارة الاستثمارات في دبي، «ING»، يازان عابدين، قوله إنّ «السبب الوحيد للهبوط الذي تشهده السوق هو أنّ جميع هذه الأخبار السيّئة (عن الأسواق الماليّة العالميّة) هي معدية. ويفتّش (في هذه الحالة) المستثمر المحلّي (الخليجي) على ملجأ من خلال عدم الاستثمار: يسحب السيولة»، وبالتالي تدخل الأسواق في نفق تراجعي جديد، لتعود في ما بعد إلى «التعافي».
واللافت هو أنّه بعدما كان مراقبون كثيرون يشيرون إلى ابتعاد الأسواق النامية عن تأثيرات أزمة الائتمان العالميّة، تظهر الآن مفاعيل الارتباطات المضخّمة للأسواق العالميّة، بعضها ببعض. ولكن ليس ذلك هو السبب المباشر للخفوضات الحادّة. فقضايا الفساد المثيرة التي تظهر بكثافة في الآونة الأخيرة، إضافة إلى التوتّرات السياسيّة مع إيران وانكفاء بعض المستثمرين عن التداول مع حلول شهر رمضان، جميعها أسباب تدفع نحو توقّع الاستقرار مع نهاية الشهر الجاري... ومن ثمّ عودة الاضطرابات ربّما!



اضطرابات متنقّلة

يبدو أنّ الاضطرابات التي انطلقت في الأسواق الماليّة الأميركيّة بدأت تلقي بظلالها الثقيلة على أسواق البلدان الناميّة. فإلى جانب التراجعات الحادّة التي تشهدها البورصات الخليجيّة، تعاني الأسواق في آسيا من انخفاض مواز، في ظلّ أنباء متزايدة عن التراجع في الاقتصاد العالمي، وخصوصاً بعد التقرير الأخير لمنظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذي حذّر من دخول اقتصادات أوروبا مرحلة انكماش. وهذه الاضطرابات المتنقّلة تتزامن مع تراجع أسعار النفط، في ظلّ عودة الدولار إلى الانتعاش والخوف من انخفاض الطلب العالمي.