المنافسة بين المصارف الخليجيّة تزداد بسبب فائض السيولة النفطية... هذا الواقع من المفترض أن يحفّز على إدخال تحسينات نوعية في خدماتها، إلا أن ذلك لم يحصل، إذ تعدّ المصارف الخليجية متأخّرة عن المستوى العالمي لجهة خدمة الزبائن: فجوة تفوّت عليها أرباحاً بملايين الدولارات سنوياً


حسن شقراني
في الإمارات العربيّة المتّحدة، نصف السكّان الأصليّين هم حياديّون أو سلبيّون في موقفهم تجاه الخدمات التي تقدّمها لهم مصارفهم. النسبة ترتفع لدى الأجانب المقيمين في هذا البلد الخليجي، لتصبح 90 في المئة. وتبدو تلك الأرقام كبيرة لدى المقارنة مع الولايات المتّحدة، حيث 24 في المئة فقط من الأميركيّين يبدون موقفاً سلبياً أو حيادياً من الخدمات المصرفيّة التي يتلقّونها، بينما 76 في المئة بينهم «راضون».
هذا الاختلاف يعكس النقص الذي تعانيه المصارف في بلدان مجلس التعاون الخليجي. فتوسّعها جارٍ، تماشياً مع نموّ اقتصادي تشير أرقام إلى أنّه قد يزيد على 35 في المئة للعام الجاري، في البلدان الستة، إلّا أنّه لا يترافق مع تطوّر على مستوى الخدمات. وهو ما يركّز عليه تقرير شركة الاستشارات الماليّة «AT KEARNY»، حول كيف يمكن لخدمة الزبائن أن ترفع أرباح المصارف الخليجيّة.
وبصورة عامّة، يرى التقرير أنّ تلك المصارف تتمتّع بأداء مالي لافت يظهر عبر مقاييس الأرباح والأصول الودائع، ولكن تعديلات في الإدارة قد تضاعف ثمار الفورة الحاليّة. فأيّ مصرف خليجي متوسّط الحجم، يطوّر مستوى خدماته للزبائن إلى درجة «المعايير العالميّة»، يستطيع أن يرفع أرباحه السنويّة بما يتراوح بين 50 مليون دولار و150 مليون دولار.
وهذه التعديلات تؤمّن للمصارف المعيّنة مراكز أكثر ثباتاً لمواجهة منافسة الشركات الأجنبيّة التي تغزو السوق الخليجيّة، بما أنّ جميع بلدان مجلس التعاون (السعوديّة، قطر، البحرين، الإمارات العربية المتّحدة، سلطنة عمان، الكويت) هي أعضاء في منظّمة التجارة العالميّة، وعرضة لأمواج المنافسة في السوق الكونيّة.
وفي هذا الصدد، يشدّد التقرير على أنّ الشركات التي تتمتّع بدرجات مرتفعة في مؤشّر «خدمة الزبائن ورضاهم»، ليس لديها أيّ مسبّبات للقلق حول خسارة فرص الأعمال، وهي مسألة تلقّنتها المصارف الأوروبيّة بالطريقة الصعبة. وعلى سبيل المثال يتحدّث التقرير عن المصرف الألماني «ING»، الذي دخل السوق تحت عنوان مباشر: «تأمين خدمات ممتازة للزبائن». وفي غضون سنوات، أصبح بين المصارف الخمسة الأولى في البلد الأوروبي الغربي.
وتظهر هذه الفجوة الخدماتيّة لدى المصارف الخليجيّة، فيما تدعو دراسات عديدة إلى إخراج هذا القطاع من الآليّات التقليديّة لإدارة الشركات (العائليّة والمحسوبيّات...)، وخصوصاً عندما تتحوّل المصارف إلى مؤسّسات ضخمة تحوي ودائع حجمها 871.7 مليار دولار (بحسب مسح أجرته مجلّة «ميد» في حزيران الماضي).
وبما أنّ العلّة الأساسيّة الآن تكمن في ضعف خدمة العملاء فإنّ المبادرين الأوائل في هذا السياق، سيكونون أكبر المستفيدين، والمسيطرين على الحصص السوقيّة. وفي هذا السياق، يلفت المدير العام لـ«AT KEARNY»، ديرك بوشتا، إلى أنّه مع تزايد المنافسة في بلدان مجلس التعاون، وتحديداً في السعوديّة التي منحت سلطاتها النقديّة رخصات التجزئة إلى العديد من المصارف، فإنّ خدمة العملاء ستتحوّل إلى عامل تزداد أهميّته في قطاع المصارف في الخليج.
ويقارن بوشتا الواقع في الخليج مع حال القطاع المصرفي في الولايات المتّحدة. ويقول إن المصارف الأميركيّة تستطيع توليد 1 مليار دولار إضافي إذا استطاعت أن تحوّل 5 في المئة فقط من زبائنها إلى «راضون بامتياز». فالرضى المستجدّ عند هؤلاء العملاء يدفهم نحو إيداع المزيد من الأموال في مصرفهم وإلى نصح الأصدقاء والأقرباء باللجوء في خدماتهم الماليّة إلى المصرف المعني.
وفي دراستها، وجدت «AT KEARNEY» أنّ زيادة نسبتها 5 في المئة في الاهتمام بالزبائن، تربح ربحيّة المنتجات بنسبة تتراوح بين 20 في المئة و80 في المئة.
... المصارف الخليجيّة شهدت خلال السنوات الماضية نموّ أصولها وأرباحها بنسب تفوق الـ10 في المئة، وذلك خلافاً للنسب المتراوحة بين 3 في المئة و5 في المئة في القطاع المصرفي في البلدان المتقدّمة، ولكن حتى في ظلّ ذلك، وفي ظلّ افتراض أنّ حملات التسويق والترويج للمصارف الخليجيّة، تدفع نحو نشوء قطاع مصرفي محنّك بكلّ المعايير، لا تزال المصارف في بلدان مجلس التعاون الخليجي بعيدة كلّ البعد عن مستوى البلوغ التقني والسوقي لنظيرتها في البلدان المتقدّمة.
وهنا تبرز أهميّة «خدمة العملاء» التي تعاني مصارف الخليج نقصاً في تقديمها. فـ«الزبون الراضي»، بحسب دراسة «AT KEARNEY»، تقلّ فرص هجره لمصرفه، وتزيد فرص مصرفه في جذب مزيد من الزبائن... ليس المهمّ تكديس الودائع، المهمّ المحافظة عليها وتطويرها.



أهميّة الابتسامة

«الرضى الذي يحصل عليه الزبون في الفرع (المصرفي) وعلى الهاتف وعلى شبكة الإنترنت له تأثير مباشر على العائدات»، يقول مدير المؤسّسة الماليّة التابعة لـ«AT KEARNEY»، ألكسندر فون بوك. ويضيف أنّه «في المصارف الرائدة، يدرّب الموظّفون على عدم قول «لا»، والزبائن يعاملون دوماً بابتسامة، ويتمتّع مديرو الفروع بمستوى مرتفع من الاستقلاليّة». فأداء الفرع يقوّم عبر مستوى المبيع من خلال ترويج السمعة (يتحدّث العميل عن المستوى الرفيع للخدمة التي يتلقّاها)... كلّما تطوّرت الخدمة ارتفع مستوى الأداء.